الرئيسية / فعاليات / قصائد نزار قباني ” شُوكولاته ” تتمتع باستمرارية حلاوتها
استاذ جمال الناصر كاتب اعلامي

قصائد نزار قباني ” شُوكولاته ” تتمتع باستمرارية حلاوتها

بقلم / جمال الناصر 

إن قصائد نزار قباني ” شُوكولاته ” تتمتع باستمرارية حلاوتها ، لأن الإبداع في اجتماع التضاد . والعذر للسياب ، قصائده ” نزار قباني ” ، ليست ” شُوكولاتة ” ، والنشر أو البقاء ، أي مقياس يعتريه ، إن طبيعة المتلقي الناتجة من الحياة الاجتماعية والتربوية والعلمية ، لأي مجتمع ، هي من تضع المقياس ، تباعًا للذائقة التي تنتج عنها . إن الحكم على مُنجز ما باتساع استمرارية الحياة والكائن البشري ، حُكمًا بعيدًا كل البعد عن الحقيقة ، وكما يقول الفلاسفة : عدم الإيجاد لا يدل على عدم الوجود . وعليه إن – دروازة – إطلاق الحكم على التاريخ الأدبي لأي شاعر ، لا يعدو كونه إلا ” دروازة ” ، يُجمع فيها كل شيء .

إن المتابع – على سبيل المثال لا الحصر – ، الفضاء الدرامي ، يُبصر اتجاه الدراما إلى إنتاج أعمال تتحدث عن ” نزار قباني ” كإنسان وشاعر ، كأنما تُريد أن تُسطر بأنه أصبح أكاديمية شعرية ، لا تنتابها – الشُكولاتة – . ذات يوم كُنت في حضرة متحدث – دكتور في الأدب العربي والنقد – ، يقول : إن نزار قباني أخرج المرأة من قُمقم وأدخلها قُمقمًا آخر ، هُنا لا نرغب في مناقشة هذا الطرح ، لأنه سيأخذ بالمقال ناحية المقام الفارع الإبداع ، يُكتفى بالإشارة إلى أن الكثير من الأدباء والنقاد لا يُبصرون ” القباني ” ، ويتناولونه إلا من زاوية ” المرأة ” ، ليبتعدوا نظرًا للبيئة التي تُحيطهم بنوعيتها ، حتى تشم رائحة هذه البيئة في الكلم لديهم ، في حين أن المجتمعات الأخرى لها جنبة مُختلفة عن ذلك ، نتيجة لذاتية البيئة باختلاف أدلجتها .

ذكر الكاتب بداح السبيعي في مقالته بجريدة الرياض – الثلاثاء 1 – صفر – ، بعنوان : قصائد نزار قباني : خبز أم شوكولاتة ؟ ! . ” قبل ستين سنة تقريبًا سُئل الشاعر بدر شاكر السياب عن توقعه لمستقبل شعر نزار قباني ، وهل يتوقع له ” الصمود بوجه التاريخ والزمن ” ؟ ، فأجاب إجابة ينفي فيها بأسلوب لطيف إمكانية صمود أشعار نزار ويتنبأ بسرعة تلاشيها ، وقال في إجابته : ” لا أعتقد ذلك ، إن شعر نزار أشبه بالشيكولاته تحسه ما دام في فمك ، إلا أن طعمه يزول عندما تنتهي من وضعه . وأنا شخصيًا لا أشجع انتشار هذا النوع من الشعر ، وإن كان شعر نزار لونًا يحتاج الشعر العربي إليه ، إن نزار وحده كاف . فحاجة المرء إلى الشيكولاته ليست كحاجته إلى الماء والخبز ، وشعر نزار شيكولاته ” ! . وعلق الكاتب : استبعد السيّاب بقاء شعر نزار في أذهان الناس لفترة طويلة ، لأن الحلاوة التي يشعر بها المتلقي حين يتذوق شعر نزار حلاوة سريعة التلاشي كحلاوة ” الشوكولاتة ” ، والحاجة لها حاجة ” كمالية ” ، ليست في أهمية الحاجة لبعض الشعر الذي تكون الحاجة إليه ” ضرورية ” وتماثل الحاجة إلى الماء أو ” الخبز ” ! . إنه توصيف تنبؤ لم يُؤخذ فيه تطور الذائقة ولا الحالة الثقافية ، وعادة أن الكثير من الأشياء المتعلقة بالعنصر الثقافي والأدبي ، يصعب فيها التنبؤ والحكم ، لأنها خاضعة لظروف ومسببات ، لها تأثيرها الجوهري والنوعي .

قال الكاتب : ” المفارقة هي أن شعبية نزار تضاعفت عبر السنوات وزاد تداول قصائده في مُقابل تراجع شعبية السيّاب وخفوت حضور قصائده بين الأجيال اللاحقة ، وفي هذا دلالة على صعوبة التنبؤ بالمستقبل الشعري لأي شاعر ، فهناك شعراء تحظى قصائدهم بتداول واسع في حياتهم لكنها تموت سريعًا مع موتهم ، وهناك شعراء يحدث لهم خلاف ذلك ، وهناك من هم أوفر حظًا من الصنفين السابقين وهم الذين تنال أشعارهم إعجاب المتلقين في أثناء حياتهم ، ويستمر تداولها والإعجاب بها بعد رحيلهم عن الحياة لقرون طويلة . نعم ما اتجه إليه الكاتب – السيعي – ، لهو المنطق بمكان ، وهذا ما يُؤكد عدم إمكانية التنبؤ في هذا اللون الكتابي – الشعر – ، وإذا ما رجعنا زمنًا أو أزمانًا أخرى ، نُبصر أن هُناك شعراء كانوا حاضرون بقوة في المشهد الأدبي ، ومع مرور الأيام خفت توهجهم ، نتيجة لتغير الثقافة واتجاهاتها ونوعية البيئة الاجتماعية والتربوية ، وأنساق ترجمة العاطفة ، وطريقة التغني بها وإبرازها .

وبين الكاتب أنه يدفع التشاؤم بعض الشعراء والنقاد إلى المغامرة بالتنبؤ بمستقبل قاتم للشعر أو لأشعار الشعراء الذين يعيشون هذه المرحلة ، أو يدفعهم التفاؤل بمستوى شاعر معين للتنبؤ بمستقبل باهر لإنتاجه والحديث عن قدرة قصائده على الخلود في الأذهان ، لكن الواقع يثبت دائمًا أن عملية تلقي إنتاج أي شاعر أو أي نص عملية معقدة يصعب التنبؤ بها . وعليه إن المغامرة بالتنبؤ بمستقبل مشرق أو قاتهم لمنجز شعري أو شاعر ، مغامرة حماسية احتمالية اصطدامها بالواقع آنية أو مُستقبلاً نسبته كبيرة جدًا . وعليه قد يُؤخذ على ” القباني ” ، بعض تركيباته الشعرية وتصويراته البلاغية ، التي لا يُراعي فيها الذائقة أو القيم ، إلا أنه تفرد بأسلوبه الشعري ولغته البلاغية ، ورؤيته الثقافية والفكرية ، وما ألمح إليه ” السياب ” ، أن

اللون الشعري لديه ” القباني ” ، الذي وصفه – بالشُوكولاته – ، يُكتفى أن يكتبه شاعر ولا يكتبه آخرون ، لأنه لا يُمثل الماء والخبز مجازًا . وعليه لربما نُلمح ونُهمس : إن تفرده ليكون وحده من يكتبه ، لهو دليل على أن لغته الشعرية تُعتبر من السهل الممتنع . إن المتلقي الذي يُريد قراءة مُنجز شعري أو تاريخ شعري لأي شاعر ، ينبغي له أن يُتقن استراتيجية القراءة . لقد أجاد الكاتب بداح السبيعي مقالته : قصائد نزار قباني : خبز أم شوكولاتة ؟ ! ، خير إجادة .

Open