الرئيسية / فعاليات / عندما تحل ” الهستيريا” محل الكلام ..
محمد العرفات

عندما تحل ” الهستيريا” محل الكلام ..

عندما تحل ” الهستيريا” محل الكلام ..قراءة في رواية “الشهداء” لكاتبها محمد الحميدي

بقلم / محمد العرفات

واحةٌ وادعةٌ حالمة ،وما القديح منها غير القلب الطيب ، لتلك الجميلة النائمة على ضفاف البحر ، ما زال ينبض بالحياة مع بزوغ فجر التاريخ ، ويحاكي طبيعة الواحة المجبولة على العطاء وإنتاج الحب والتآلف ،،،

وعندما تستجمع ما حباها الله من ذكاء فطري ومقاومة غريزية تواجه بهما حرارة الصحراء القريبة منها والمتربصة دوماً بها ، وجفاف تلك الصحراء النابذ لكل أشكال الحياة .،،

حيثما وجد الصحراوي المقهور تحت وطأة طبيعة ذئبية عدوانية تنبعث منها شهوة التفرد والتميز والافتراس ، وتسكن شتات الصحراء حيث التناحر منهج لتحقق الأحلام والأهداف ،،

ومن تلكم الطبيعتين يتولد بشرين مختلفين بهويتين متضادتين في وعي الذات ومنهج تحقق الأحلام وبلوغ الأهداف ..،،

وفي مقطع زمني مسروق ممزوج بعرق الواحة ورطوبتها

بدأت أنوثتها في الإكتمال ، وبدى من جمالها مايثير شهوة الذئب الصحراوي في افتراسها ، حاول خطب ودها وإمالتها نحوه ..

غير أن اختلاف طبيعة الواحة المحصنة وصدودها الدائم عن محاولة الاستجابة لشهوته لن تتيح له خيارا آخر غير افتراسها وهتك عذريتها فتتحقق بذلك ذئبيته ..

وبستعراض مشهد تلك العدوانية المفرطه وبناءاً على نظر كاتب نص ( الشهداء ) فإن ذلك المشهد يفسر ويجيب على كثير من التساؤل المثار والناتج بفعل الصدمة من العمل الإرهابي الحاقد الذي طال المصلين في مسجد الإمام علي عليه السلام في بلدة القديح واودى بحياة مجموعة منهم .

وبالرجوع لتاريخ المكان الذي عاشت فيه الضحية وطبيعته الجغرافية بما هي مؤثر في تشكيل هوية سكانه ومعتقداتهم الإنسانية ، وطبيعة ذلك المكان الذي أتى منه القاتل ، وبعد فهم طبيعته المختلفة ، وتحليل ما ينتج من صفات بشرية لهاتين البيئتين المتباينتين ، بنى الكاتب مجمل إجابته على تلك الأسئلة على ذلك الفهم والتحليل ، معتمدا في كثير من ذلك الفهم على انتمائه لذات مكان الضحية ومعرفته بتفاصيل إنسانه .،،

ونصٌ ، كا ” الشهداء” لكاتبه محمد الحميدي في كثير من فصوله أشبه ببوح متدفق هستيري مُسريٓلٍ واعٍ مخبوء خلف معاناة إنسان الواحة وما يلاقيه منذ بدء ولادته وحتى مماته ، مما يعترض تحقق أحلامه في السعادة وبلوغ الأهداف.

وما حادثة المسجد تلك إلا لحظة انفجار ذلك البوح الذي هو جزء من نشيج الواحة وبكائيتها ، على شرفها المهدور من تلك الذئاب القاتلة ،

ليواصل الكاتب به رسم معاناة إنسان الواحة وفي شخص الكاتب نفسه ، والذي لجأ للرمزية عوضا عن المباشرة في سبيل فضح القاتل وإسقاط معتقداته ومبرراته لإرتكاب الجريمة ،،ومستعيضا عن التوثيق التاريخي لما جرى بسرد مجتزء وسريع لسيرة “شهيد” كأحد الأمثلة لما يحمله انسان الواحة من تميز وانتماء وسعي لتحقق الأحلام .. فيلقى حتفه شهيداً على يد ذئب منفجر بشهوة الحقد.

وقد اتكل الكاتب فيما رمزه والفت إليه وأشار له في نصه على المشترك من ذاكرة القارئ ووعيه في فهم تلك الرمزية للوصول لما رمى له وسعى للرصول إليه .

وبالرغم من تمكن الكاتب من امساك الهدف وتركيزه عليه في كتابة نص يفضح فيه القاتل وهويته، ورغم طغيان الرمزية في تدوين تلك الحقيقة ، فإن نص “الشهداء” لا يخلو من بعض الجماليات اللغوية الملفتة وبناء الصور الفنية التي تعكس وتبرز الشخصية الإنسانية لسكان الواحة على واقعها والتي تعين القارئ على اتمام قراءة نص قد تعمد الكاتب فيه وبوحي غريزي كما أفراد الواحة ابعاده عن المباشرة والوضوح.

Open