الرئيسية / فعاليات / هكذا قال ولا زلت أتذكر
أ جمال الناصر كاتب اعلامي

هكذا قال ولا زلت أتذكر

بقلم / جمال الناصر 

بعيدًا عن مشاغل الحياة ، آلامها وأفراحها ، كان كلما أبصرني يقول : أنت الفاشل ، الغبي ، لا فائدة منك تُرجى . لازلت أتذكر كلماته للآن ومُستقبلاً ، كلما وقعت عيناي عليه كجسد وروح ، كقدوة في العمل الاجتماعي ، كصمته المُتأمل – لا أعلم حقيقة بيئته حين قال ذلك – . أعوام تصرمت منذ كلماته ، حيث كنت مقصدًا لمُعلم كان في حياتي – لا أجيد وصفية الأشخاص ، ولربما ليس من اهتماماتي – ، قال المعلم كلمات ونظرات وابتسامات ، شعرت به ظلاً يُظللني ، يُمطرني عزمًا ، تحفيزًا – إنه يُتقن الإيجابية بامتياز – . كان لوجهه موقعًا جذريًا في بوصلة المسافات ، في حكايات الذاكرة ، حيث تمور شغفًا ، لتُذيب جراحات القلب ، وتُرشفه بعض ماء .

يُخطئ البعض حين يُمارسون توصيف الآخر ، ليطلقوا عليه كلمات التحبيط ، التثبيط ، لتكون كلماتهم محور انتكاسة في الشخصية ، يرمونها في المتاهات تيه وتيه ، بحيث قد يتجاوزها البعض – لوجود عوامل تُساعدهم – ، ولا يتجاوزها البعض الآخر – لعدم وجود العوامل المُساعدة – . قرأت ذات يوم – برودكاست – ، لا أعلم حقيقته ، ولكنه يُمثل واقعًا ، جاء فيه أن دكتورًا وصف أحد طلابه بالغبي ، ومع مرور الأيام ، رأى الطالب الدكتور في إحدى الأمكنة ، حيث كان الطالب يعمل عامل نظافة ، تقدم له ، ليسأله الدكتور ، أليس أنت الطالب الذي كنت أدرسه ، أجابه : نعم ، سأله : لماذا تعمل عامل نظافة ، أجابه : أنت الذي ، جعلتني فيها ، ألم تصفني بالغبي كثيرًا ، هذا ما زرعته في ذاتي ، لتكن هذه النتيجة . إن هناك الكثير من القصص للذين تجاوزوا التيه ، والذين لم يتجاوزه .

وما بين القول وبين المُعلم ثمة مُفارقة ، ثقافة ، الأولى تتطلع لدخول حُجرة ظلماء لا تُعانق الضوء ، والأخرى تفتح نوافذًا تطل منها خيوط الشمس ، لتُنير للإنسان طريق النجاح – مُستقبلاً مُشرقًا – . هنا ، المُعلم ، يبزغ في الأفق من شذرات الغيم ، سؤالاً طالما استفز اليراع ، أيكون دور المعلم ، يكمن في نقل المادة المعرفية للطالب ، أم ثمة هناك أخريات في علاقته بالطالب – إنسان المستقبل – . إن المعلم لا يقتصر دوره في نقل المادة المعرفية فقط ، ولكن لديه أهداف أخرى ، يرتكز في أولها ، أن يكون قدوة حسنة ، إضافة إلى تفعيل عنصري التحفيز والإبداع ، ليُنمي مواهب طلابه ، ليبدعوا ، يُسبغهم تحفيزًا بألوانه المشرقات ، ليكونوا شغوفين بالعلم ، يستأنسون بالمعرفة طلبًا ، سعيًا لا يكل ولا يمل . وعليه ما أجمل أن نْمارس في حياتنا دور المُعلم ، بكلماته ونظراته وابتساماته ، لنصنع جيلاً مُلهمًا يُقدم خدماته باتساع الغيم ، ليهطل مطرًا .

لا زلت أتذكر كلماتك ، التحبيط والتثبيط ، لم أكن مُحبطًا بالأمس البعيد ، ولست مُحبطًا الآن ، ولن أكون مُحبطًا غذًا – لك من القلب كل معاني الصفح ورضاه القلب عليك – . إن لدينا نماذج من مُعلمين ومن أبناء المجتمع ، يُلهمون مُجتمعهم حُب العلم والمعرفة والإبداع ، ليتميزوا ، – جزاهم الله عنا كل خير – .

همسة : لا تفتح أذنيك ، لكل أنواع التحبيط والتثبيط ، إن كنت تهفو أن تكون مُتميزًا – هكذا قال ولا زلت أتذكر .

Open