الرئيسية / أخبار / المستوى المعيشي بين الدخل ونوعية العمل

المستوى المعيشي بين الدخل ونوعية العمل

بقلم / ياسين الجفري

يتَّجه أبناؤنا عادةً نحو الجامعات، للالتحاق بتخصُّصات تضمن لهم موقعًا مرموقًا في المجتمع، ودخلاً مضمونًا أيضًا، يعكس ما تعبوا لأجله. وبالتالي تتركَّز توجُّهات الأبناء على تحقيق دخل يضمن لهم مستوى معيشيًّا من ممارسة ما تعلَّموا من أجله، ومن أجل مرتبتهم في المجتمع.

وقد علَّمنا أبناءَنا هذا التوجُّه، وركَّزنا عليه، وتمَّت تسمية وظائف بحدِّها الأدنى «درجة علميَّة»، يجب الحصول عليها قبل الممارسة. والسؤال: هل أثَّر هذا التوجُّه على نوعيَّة التعليم، وبالتالي حجم الخريجين، ومدى القدرة على استيعابهم في سوق العمل، في ظل توفُّر الحاجة في مناطق أخرى؟ وهل هناك خطأ في توجُّهنا وتركيزنا على أن يكون هناك وضعٌ اجتماعيٌّ، ودخلٌ بحيثُ رفعنا العرض في مواجهة الطلب؟

ولو نظرنا إلى الأعمال الصغيرة، وفي مختلف القطاعات الاقتصاديَّة، لوجدنا الإجابة واضحة، وصريحة أمامنا، حيث نجد أنَّ نسبة ممارسة أبنائنا للمهن، والحرف، وإدارة الأعمال الصغيرة متدنِّية، الأمر الذي يجعل العمالة غير المواطنة تستغلُّ جهلَ أبنائنا بالعمل، فتتحوَّل العلاقة من ربِّ عملٍ إلى مُتلقٍّ للدخل، والسبب يعود إلى ضعف الإلمام بالمهنة وخفاياها (لكلِّ مهنة موجودة)، والوضع الاجتماعي يجبر الفرد على سلوك محدد. وبالتالي نجد أنَّ الدخول في الأعمال، وممارستها أمرٌ صعبٌ، حيث يبحث فيه المواطن عمَّن يملأ له الفراغ من العمالة الوافدة، ثم يبادر بالدخول حتَّى يستمر العمل، ويتلقَّى الفُتَات. صراحةً تمَّ حصر أنشطة اقتصاديَّة لصالح المواطن، ومُنع المستثمر الأجنبي، أو العمالة الوافدة من القيام بها، والنتيجة دومًا نجد التفافًا حول النظام، والسبب أنَّ فاقد الشيء لا يُعطيه؛ لاعتباراتٍ مهنيَّة فنيَّة، بسبب نوعيَّة وتوجُّه التعليم لدينا، مع أنَّ هذه المهن ذات عوائد جيِّدة، وكانت تُمارس من قِبَل المواطنين قبل الطفرة، وعُدنا إلى تكوين أبعاد احتماعيَّة منعت أبناءنا من ممارستها. القضية إلى الآن، وخلال أكثر من نصف قرن، لم يوجد حل لها، ولازلنا ندفن رؤوسنا في الرمال وننتظر.

لن تنمو وتتطوَّر الأعمال الصغيرة في مجتمعنا إلاَّ إذا مارس أبناؤنا المهن بأنفسهم، وبرعوا فيها، دون أيِّ اعتبارات اجتماعيَّة خُلقت لنا في حقبة الطفرة.

لماذا الإصرار على الممارسة والعمل بعد التعليم الجامعي؟ لسنا ضد الحصول على الشهادة والعلم، فهو أمر حسن وجيِّد، ولكن ما نُطالب به هو نبذ الأعراف التي تُحارب أبناءنا، إذا ما مارسوا المهن، وحرصوا عليها.

إذا أردنا لرؤية ٢٠٣٠ أن تنجح، لابدَّ من النظر إلى البُعد الاجتماعي، ومحاولة إحداث التغيير فيه، ونبذ بعض التوجُّهات الهدَّامة؛ لأنَّ العمل وممارسة المهن ليس بعيب، حيث مارسها بعض الأنبياء، فلا يجب نبذ الممارس لها. ومهما أعددنا من خططٍ، واستثمرنا فيها لن يحدث شيء ما لم يتم تغيير الاعتبارات الاجتماعيَّة الهدَّامة، والتي لا نزال نعاني منها لأكثر من نصف قرن.. والله من وراء القصد.

«المدينة»

Open