الرئيسية / منوعات / العم فاهم
أ جمال الناصر كاتب اعلامي

العم فاهم

بقلم / جمال الناصر 

لم يكن ” العم فاهم ” ، يترك منزلاً أو ديوانية ، إلا وأهداها الكم الكبير من ثقافته ووعيه ، يصغي لهذا ويبتسم لذاك ، يثري كل ساحاته ، التي يزورها والتي لم يزرها ، يغمض عينيه ، سعيًا بزيارتها في المنام ، حلمًا جميلاً ، يشعره بأنه عنصرًا فاعلاً في مجتمعه ثقافيًا واجتماعيًا و- شخيرًا – ، يمارس وظيفة المنبه الإلكتروني ، يجلسهم من النوم ، ليسارعوا بالقيام بأعمالهم . كل ما يميز ” العم فاهم ” ، أنه لم يكن يومًا ” ملقوفًا ” ، أو بالأحرى ، إذا اتبعنا لغة المثقفين أو استعرنا من ” سوبر ماركت ” الأتيكيت ، نقول بأنه لم يكن يومًا متطفلاً . لقد اشتق لقبه ، تباعًا لمدى اتساع الأفق في عقله وانسيابية روحه الدافئة الحضن والاحتضان ، لم يدع فنًا من الفنون ، يحمله العتب ، يقرأ بنهم ، يشاهد باستمتاع ، خصوصًا إذا كان ” الفسفس ” بجانبه ، يزخرف ملابسه باهتمام بالغ ، كأنما هو عريس ذاهب ، لعريس مباركًا .

هكذا قرأته ذات تأمل ، ” العم فاهم ” ، لغة من اللغات ، تحمل بين أروقتها وزواياها تقديم خدماتها بلا كلل أو ملل ، يحترم الصغير ويوقر الكبير ، في ملامحه لا تبصر اعوجاج محياه أو انحدار شعرة أو ثمة تصنع ، جمال طبيعي – يأبر ألبي شو مهضوم – . إن كلمة ” فاهم ” ، تأتي في ما تعطي ، أن الفهم – بحسب معجم المعاني – ، فاهم ، فاعل من فَهِمَ ، بمعنى أدركه وعلمه وأحسن تصوره واستوعبه . انتابني الهلع ، حين قرأت هذه المعاني لمفردة ” فاهم ” ، لقد تركت ” العم فاهم ” في سوق السمك – لأنه لا يتقن قيادة السيارة ونظره ضعيف – ، بعد أن طلب مني إيصاله ، يستقضي لأسرته ، بدأت مليًا التفكير في هذا المسمى ، وهل يصدق توصيف الآخر بالفهم ، وماهية مقياس الفهم ، وهل ثمة مفارقة بين الثقافة ، الوعي ، الفهم ، كلها تساؤلات ، أدخلني فيها ” العم فاهم ” ، دون أن يشعر – تبًا لك عمو ، وهقتني بنفسي وعقلي ، لخبطتني – .

يقال بأن المشكلة ، لا تكمن في حيثيات المشكلة ، بقدر كونها تكمن في عدم مصداقية المفاهيم ، ووضع المفهوم الغير مناسب في المكان ، الذي نظن بأنه مناسب ، لهذا يتحول عصير البرتقال إلى عصير بنكهة البيض – المسلوق – . هل سيبدع لنا رواد المطبخ والمطعم ، ذات يوم عصيرًا بنكهة ” البيض المسلوق ” ، يبدو أن الفكرة غريبة ، في لحظاتها الأولى ، ولكنها ليست بمستحيلة ، ألم تكن فكرة صعود الإنسان إلى الفضاء ، كانت تعد ضربًا من الخيال في حينها ، إلا أنه بعد ذلك أصبحت حقيقة . وعليه فإنه في هذا الزخم المعرفي بمختلف ألوانه ومشاربه ، كذلك في الفسحة الخضراء في عالم الكتابة بكل قراطيسها وأدواتها ، ثمة اختلاط مفاهيم ، تحتاج إلى أن تقنن ، فلا نطلي العقول بتوصيفات لا تكون التوافقية آنية ، كأننا نطلي جدار شقة ما ، استعدادًا لاحتضان زوجين ، اجتهدوا في اختيار أثاثها – ولربما دفعوا كل الذي لديهما – ، وأن لا نفتح النافذة لعقولنا ، كي يسيرها الآخر برغم هشاشة فكره ، ونفسيته المريضة ، لابد أن نجعل من ثقافة ” العم فاهم ” ، أن تكون متزامنة لفظيًا ومعنى ، أن يكون الإنسان ذو شخصية ، لها مقومات الشخصية المستقلة ، لأنه أمر حسن .

همسة : في عرفنا الاجتماعي ، وأعمالنا الاجتماعية ، التي نؤديها الكثير من المفاهيم المغلوطة ، نسجناها نحن ومن سبقنا ومن سيأتي بعدنا ، وجعلناها واقعيًا لها أحقيتها ، في حين أنها تحتاج إلى غربلة ، لتقنن ، لا أن نتماشى معها .

Open