الرئيسية / منوعات / أشعة ” رنين ” وسخرية سقراط
استاذ جمال الناصر كاتب اعلامي

أشعة ” رنين ” وسخرية سقراط

بقلم: جمال الناصر

همسة : كن راقيًا في حوارك ، مع الآخر ، مستفيدًا من ألف باء الأسئلة ، حتمًا ستكون الفائدة من نصيبك .

لم يكن يومًا عاديًا ، حيث المساء ، يختزل الفكرة منذ الدقائق العجاف ، الفكرة حين تفتح فضاء العقل البشري ، تشغله عن كل البيئة في زواياه ، يغمض عيناه ، لفترات كثر ، متأملاً صحوة الكلم ، معانقًا دفء الروح ، انتشاء إكمال لوحة ، لربما تكتمل ذات يوم . هكذا كان ظل الصديق الصيني العزيز ” هو جين بو ” ، الذي كان يتقن التحدث والكتابة باللغة العربية ، ليوفر على أمثالي تعلم اللغة الصينية ، كنت أصغي له ، يتحدث عنها – أشعة رنين – بشغف ، يمنحني بعض المعلومات عنها ، وكيف استطاعت أن تقدم خدمات طبية نوعية . إن الميول لدي أدبية بنسبتها الأكبر ، إلا أن الاستفادة من المعلومات العلمية والطبية ، لشيء لطيف ، أن تسكن في دهاليز العقل .

لم يشعر ” هو جين بو ” ، ما أفرزه من رغبة في ذاتي ، لأمارس القراءة عن – أشعة رنين – ، من باب الإطلاع لا أكثر ، ليأخذني الفكر في عملية تزاوج ، ربط فكرة ” رنين ” ، بالواقع الاجتماعي والثقافي ، وكيفية تفاعلاتنا معها ، وتعايشنا ضمن زئبقيتها ، في العالم الافتراضي – السوشل ميديا – ، التي تمثل أسرع ” ردت فعل ” ، بإمكانها الوصول إلى أذني المتلقي – الآخر – ، لتنتج ما تنتجه على حد سواء ، أكانت إيجابية أم سلبية . تعرف الموسوعة الحرة ويكيبيديا ” أشعة رنين ” بكونها – التصوير بالرنين المغناطيسي – ، التي تعنى بأنها وسيلة تصوير طبي ، لتوضيح التغييرات الباثولوجية في الأنسجة الحية . أن يكون الإنسان في علاقاته الاجتماعية والثقافية .. ، إلى آخر القائمة ، إضافة إلى – السوشل ميديا – ، يتبع ثقافة – أشعة رنين – ، ليصنف هذا ويحكم على آخر ، داخلاً في نيات الآخرين ، نعم ، يقال ” خذ الآراء واضرب بعضها ببعض ، يتبين لك الصواب من الخطأ ” ، هنا ثمة مفارقة بين أن يمارس على الآخرين تصنيف نياتهم وتوصيفها ، سعيًا في الإقصاء ، أو لرغبة نفسية ، باعثة على هذا السلوك ، وبين أن يكون الوعي حاضرًا في تجاوبنا مع المعطيات الثقافية والاجتماعية .. ، كحالة تهفو الوصول إلى النتيجة الأكثر نضجًا . إن التفكير والتفكر شيء ، وممارسة ” اللقافة والتحرطم ” ، شيء آخر ، وشتان بينهما .

يقول الكاتب النرويجي ، الأستاذ في الفلسفة وتاريخ الفكر ، الذي يمارس الأدب والتعليم معًا ” جوستاين غاردر ” ، واصفًا ” فن الحوار عند سقراط ” : بأنها الطريقة الفعالة لتوليد المعرفة ، وهي التي تسمى ” سخرية سقراط ” ، موصحًا ويكمن سر الفعالية لديه – سقراط – ، في أنه لم يكن يحاول تعليم الناس ، بقدر اهتمامه ، أن يعطي انطباعًا ، بأنه يريد التعلم من الآخر – محدثة – ، يناقش ويجادل ، حيث كان يبدأ بطرح الأسئلة ، متظاهرًا بأنه لا يعرف شيئًا ، ثم يرتب الحوار بشكل يجعل المحاور يكتشف شيئًا فشيئًا مثالب تفكيره ، إلى أن يجد نفسه أخيرًا محصورًا ، بحيث يضطر إلى التمييز بين الصواب والخطأ ، مؤكدًا بأنه لو اكتفى بمحاورة الناس لما أصبح فيلسوفًا مشهورًا . عودًا قد يكون حميدًا على ما جاء في العنوان ” أشعة ” رنين ” وسخرية سقراط ” ، أن ثقافة الجزء الأول منه ، ليس من المنطق بمكان التعامل به مع الآخر ، الذي مما لا يدع مجالاً من الشك ، أن رواد الدخول في نيات الآخرين ، لن يجنوا من هذا السلوك إلا الهم والنكد ، القلق النفسي سيتعبهم ، لحد التعب ، وكلما أفرطوا فيه ، كلما كان الأسى الوجبة الرئيسة ، تتصدر سفرة الطعام ، العشاء والغذاء ، وربما كان الفطور في طريقه ، متربعًا عليها – السفرة – . في الحقيقة ، إن أسلوب الفيلسوف اليوناني ” سقراط ” في كيفية فاعلية توليد المعرفة في جنبتها الفلسفية ، حين نسقطها تفاعليًا في وجهتها الثقافية والاجتماعية .. ، إلى آخر الأحرف الأبجدية ، وصولاً لحرف الياء ، لهي الطريقة المثلى في فنية الحوار ، واستشراف التربة الخصباء ، التي تثمر أفكارًا نوعية . نهاية ينصحنا ” غاردر ” ، بقوله : تتمثل مهمة سقراط في توليد العقول أفكارًا صحيحة ، هكذا إذن ، فإن المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من داخل كل منا دون أن يستطيع أحد أن يقذفنا بها .

Open