الرئيسية / فعاليات / مصحف الشهادة

مصحف الشهادة

بقلم : إبراهيم الزين

لا يمكن أن تتوقف سيول التألق ، وفيوض الإبداع متى ما انهمرا من بين تُخُمِ الملكات ، وخزائن المواهب الربانية التي يتفضل بها الله عزّ وجلّ على بني البشر ، فهما يجرفان كل المحاولات البائسة التي ربما تحاول إيقافهما ، أو الجريان بدلهما ، وهي أي تلك المحاولات إن حصلت ، ففي كلتا الحالتين ليست بأفضل منهما نقاوة وحلاوة ، وجمالاً وكمالا .

واكبتُ مشروع رواية ( الشهداء ) من أول أيام انعقادها في رحم النّـور ، وكان صاحبها قد عقد العزم على ارتقاء التحديات ، وتسجيل الحضور المستحق ، حين رأى أن الذي يدور ويجري من أحداث يحتاج لأن يخطه اليراع ، ويحفظه الزمان ، بصورة مختلفة ، ولن يكون ذلك سوى بطريقة تمكن جميع الأطياف من حفظ آياتـِها ، وتذوق عباراتها ، واستنشاق عبيرها ، وحفظها عن ظهر قلب ، وصدق يقين ، و من قراءة واحدة فقط لا أكثر ، بحيث لا تحتاج لإعادة طباعة ، وهي أصلاً قد طُبعت في القلوب ، ورسخت في الوجدان .

وكان ذلك لمّـا قرر أبو القاسم الحميدي ، هذا الأديب الرائع من أن تكون ( الرواية ) هي الأنشودة التي سيتلوها المدى على أسماع امتداده ، والمساحات على اتساع أماكنها ، وأن يحفظها الحزن بخصوصياته وعمومياته ، والفرح بعزته وكبريائه وشموخه ، لتصل لأرواح الشهداء الأبرار ، وهي في كامل روعتها وبهائها ورونقها ..

رواية ( الشهداء ) ، ما كانت لتكون لو لم يكن محمد الحميدي الأستاذ البارع في مجاله هو الذي تصدى لكتابتها ، وما كانت لتكون لو استسلم للتجاهل والتثبيط والخذلان .

لم تكن الولادة متعسرة ، بيدِ أنه أراد الإيثار ، فكان أن آثـر البعض تركه يتخذ القرار بنفسه بقبول التحدي ، فقبل ، وانسابت الحروف والمعاني ، تشهد على تفرده العجيب في السرد الروائي ، وكيف أنه يبسط الحقيقة كما كانت أمام الأبصار والبصائر ، فإذا ( الشهداء ) الرواية تأخذ مكانها ومكانتها ، وتحصد الإعجاب ، وتنال الغاية ، وتحقق الهدف ، والذي هو أسمى من جائزة هنا ، أو تكريم هناك ، وقد أصبحت مصحفاً ، يتلى بأسماء الشهداء في كل بيت ، ويهدى ثوابه لأرواحهم الخالدة على مدار الأزمان عطاءً ممزوجاً بالحب من ابن القديح الأصيل ، لهم في منازلهم بالخلد ، بلا منة ولا مقابل ..

تهنئة كان لابد من تسجيلها لهذا الرجل اللافت بعطاءه وتألقه ، وإن أتت متأخرة قليلا ..

Open