الرئيسية / محليات / جديد الأستاذ الحميدي، كتاب “صراع الأنساق الثقافية”

جديد الأستاذ الحميدي، كتاب “صراع الأنساق الثقافية”

هيثم المطرود – القديح 24

صدر عن دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت لبنان كتاب “صراع الأنساق الثقافية” للأستاذ محمد عبدالكريم الحميدي.

يتكون الكتاب من مئتين وست صفحات ويأتي كإمتداد لكتاب المؤلف السابق “السياق والأنساق” الذي كان بحثًا نظريًا تناول أجزاء نظرية السياق والنسق ومظاهرها المختلفة وسلطة الثقافة على الفرد وعلى الأمة، أما الكتاب الجديد “صراع الأنساق الثقافية فهو تناول لجزء من النظرية السياقية النسقية مع شموله للجانب التطبيقي بها واستعراض الجذور والمآلات الحاصلة بالتضاد بين الأنساق الثقافية داخل السياق الواحد.

تميزت لغة الكتاب بالإثراء اللغوي للكاتب وكثرة الترادفات لإعطاء بعد أوسع للمعنى الأمر الذي عكس التميز اللغوي والثقافي الذي يتمتع به الكاتب فنشر مهاراته وابداعاته بين صفحات الكتاب وأَصَّلَ بشكل واضح لماهية السياق والنسق حين تناوله في جانبه التطبيقي على “النسق الخارجي”.

قسم الكاتب كتابه الى بابين في كل باب ثلاثة فصول، فكتب في الباب الأول عن الأزمات المؤثرة في السلوك والممارسة الحياتية، وأثر الموقف الأدبي على ردة الفعل في المواقف الحياتية والعلاقة الوثيقة بينهما. وتحدث عن النموذج بشقيه الأدبي والانساني، فكيف يتحول الشخص الى أنموذج محتذى به ومدى تأثيره على الجيل الناشيء والأجيال اللاحقة.

ثم توجه الكاتب لعقد الصلة بين النموذج والمتلقي في ماهية التلقي والتماهي الذي يحدث بينهما ويبحث أيضًا إن كانت النماذج حكرًا على الشخصيات التراثية، ويجيب عن سؤال إمكانية العرب والمسلمين في مجاراة الواقع الراهن بمتغيراته الكثيرة وهل أن بإمكانهم إنتاج نموذج عصري ممكن الاحتذاء به؟ كما يعرج بعدها على الصراع الحاصل بين تيارين، أحدهما يدعو للعودة للماضي واستلهام العِبَر منه، وآخر يدعو للقطيعة معه.

الباب الثاني يحتوي الجانب التطبيقي للنظرية السياقية النسقية، حيث يقارب الكاتب أزمة النموذج، وكيفية تشكيله عبر الرجوع لحادثة تاريخية ثقافية أنشأت نسقًا مختلفًا داخل السياق الثقافي الاسلامي بات يُعرف بنسق الخوارج.

تتعدد الأنساق داخل الثقافة العربية والإسلامية ولكن سبب إعتماد “النسق الخارجي” مرجعًا للدراسة يعود إلى تأثيراته العميقة التي تركها في البنية الإسلامية، وهو مايلامس أعماق الثقافة الحالية عبر كشفه للخطاب السائد ومدى إنحرافه لكي يقودنا ذلك إلى المعرفة الحقيقة وبيان الزيف الحاصل.

يحتفظ السياق الأصلي بخصائصة الثقافية بينما يفقد النسق الزائف بعض تلك الخصائص نتيجة انحرافه عن السياق، مما يدفع السياق لمحاولة إرجاع النسق الزائف إلى حظيرته وتعاليمه فيؤدي ذلك إلى صراع بين النسقين المتبع للسياق والمنحرف عنه.

النسق المنحرف يعمل بكل ثقله ليكتسب المشروعية من السياق، فإذا تعذر ذلك سعى إلى الانفصال عنه وتأسيس سياقه الخاص مما يؤدي إلى صراع أعنف بين النسقين.

يُطبق الكاتب كل ذلك على الخوارج. كيف بدأ ظهورهم وإلى أين إنتهوا، وكيف سوقوا لأنفسهم بإنتمائهم الواهي للسياق مع تميزهم بخطاب لاينتمي إليه.

يبتديء الكاتب بظهور الخوارج في زمن خلافة الإمام علي (ع)، وتبنيهم لخطاب منحرف عن السياق رغم إدعائهم عكس ذلك كما جاء في خطابهم “إن الحكم إلا لله”. يعتمد الخوارج على التأويل لإمتلاك القداسة والتأثير، مما يؤدي إلى حصول اضطراب فكري وثقافي بسبب بعدهم عن معاني النص الأصيل.

يستعرض الكاتب سطوة التأويل فيما فعله جيش الشام برفع المصاحف على أسنة الرماح ونتاج ذلك بالإنشقاق الذي حصل داخل جيش العراقيين وولادة النسق الخارجي من رحم السياق الثقافي الإسلامي.

وماكانوا هم ضحية له وهو سلطة التأويل من النسق الشامي، باتوا يمارسونه لتكريس نسقهم الخارجي الوليد، يقوم الكاتب بإستعراض تحايل ابن ملجم على خطاب السياق بعد ضربه للإمام علي (ع) وهو يصلي في محرابه، وكيف ذهب ابن ملجم الى استخدام سلطة التأويل مرة أخرى. كما استعرض الكاتب عمل الخوارج على جعل أرض لهم للفظ له مدلوله الثقافي فيكونون النسق الحروري ليكون في قبالة النسقين والشامي.

يضع الكاتب الأمور في نصابها ليوضح كيف كرس النسق الخارجي نفسه كنسق مقابل بقية الأنساق عبر تثبيت خطابه كجزء من السياق الثقافي الإسلامي بدل الخروج عنه حتى لايسلب عن نفسه المشروعية. فاللعبة في أساسها لعبة ثقافية هدفها التأثير على الأفراد واستمالتهم. هكذا يتم بناء النسق المنحرف داخل السياق بالتماهي والتماثل مع خطابه لإيهام الأتباع بتمامية الخطاب رغم مايعتريه من النقص.

يوضح الكاتب أن الاضطراب الحاصل داخل النسق المنحرف وبسبب النقص المركب في خطابه سيؤدي به إلى الإنقسام بسبب التوتر وعدم الإتفاق مع حقيقة النص الأصلي، وسيبقى هذا النقص يلاحق النسق ويفرز المواقف المتضاربة والصدامية والغريبة كما حدث في طريقهم إلى النهروان، فالتقوا بنصراني ومسلم . ففي حين أفلتوا النصراني من القتل من بين أيديهم لأنه من أهل الذمة قاموا بقتل المسلم لإعتقادهم بكفره.

يختتم المؤلف كتابه بفاصلة أخيرة ليبين كيف انتهى النسق الخارجي الناقص، وماكان مصير خطابه فيناقش تشظي نسقهم وشبه الابادة والانتهاء التي تعرضوا لها حتى لم يبقى بعد معركة النهروان إلا تسعة أشخاص، ولكن النسق الخارجي بعد التخفي والهروب يقوم بإعداد تأسيس نفسه بخطاب آخر وتحت عناوين متعددة ويستخدم الحيلة والخداع كي يعود إلى أحضان السياق مجددًا عبر إبدال إسمه “الخارجي” بمسميات جديدة، وليتواجد مجددًا عبر أتباعه الذين آمنوا بخطابه وانتشروا في البلاد بعد هزيمتهم في النهروان، ليمتد الصراع الثقافي بين النسقين حتى يومنا هذا.

بعد استعراضنا لما ورد في كتاب “صراع الأنساق الثقافية” نستطيع أن نقول أن هذا الكتاب من الكتب القيمة جدًا إذ يُعَدُ رائدًا فيما بحثه حول مفهوم السياق الثقافي في المجتمع والأنساق المتوالدة داخل السياق الواحد والصراع الذي يحصل بين هذه الأنساق المتعددة.

فهذا الكتاب للكاتب “محمد الحميدي” هو كتاب جدير بالقراءة بكل ماللكلمة من معنى.

Open