الرئيسية / منوعات / منهاج السالک الحسيني 2 «توصيات للمستمعين عامة»

منهاج السالک الحسيني 2 «توصيات للمستمعين عامة»

بقلم: سماحة السيد أمين السعيدي

فأول التوصيات: الغَرَض. وقد مضى منه:

1- ضرورة التّفكّر في الغرض وتحديده. و 2- تشخيص الغرض.

 3- توجيه الغرض:

وأعني به القيادة؛ فالإنسان يستطيع -متى أراد- أن يَقود غَرَضه نحو أيِّ نِيّةٍ يُعيِّنها، مهما كان فِعْله، صغيراً أم كبيراً، عظيماً أم حقيراً؛ فالنِّيّة أيها المُدْرِك مِلْكُك الذي لا يشارِكَّ فيه أحد وأنت سُلطانه الأَوحَد.

واعلمْ أنه في ساحة الأغراضِ والنوايا لا يوجَد عند الله تعالى –مِن حيث العِظَم والصِّغَر- صفة ثابتة لها؛ إذ قد يَكون غرضٌ ما صغيراً في ظرفٍ ما، عظيماً في ظرفٍ آخر، كما أنّ كل شيءٍ عنده عز وجل ذو قيمة، وما يَكون ذا قيمةٍ عند الحكيم فهو عظیمٌ لا ینبغي الزهد فيه والتساهل بعوائده ونوائله واسترخاص فوائته وفضائله.

إذاً هذا الغَرَض -هذه النِّيّة- أنت من توجهه في كل الأحوال؛ لذا جاء في الخبر: «ولتكن لك في كل شيءٍ نِيّة حتى في النَّوم والأكل»؛ فأنت عليك إذاً أن توجّه نيّتك في كل حركةٍ تتحركها وعملٍ تأتي به، حتى في النوم والأكل، أنت وجِّه نيّتك واجعلها صالحة، استثمرها، وجِّهْا نحو الله؛ قُل: إلهي، أنا الآن أنام لأتقوّى على خدمة عيالي أو خدمة المسلمين أو خدمة الناس أو لأتقوّى على الرزق بكدّي وعدم الحاجة للآخرين ..، وإذا أكلتَ طعاماً فوجّه نيّتك واجعلها في طريق الله تعالى لتَحصد أجرها العظيم.

وینبغي العلم بأنّ توجیه الغَرَض لیتحقق يحتاج لتَوَجُّهِ نفْس، وعزيمة وافية باستذكار النّيّة واستحضار الإرادات المتعاقِبة منها على الأفعال باستمرارٍ دائم، وإلا كيف یَنعقِد توجیه النّيّة نحو الغرض الصحیح باسترسالٍ والممارَسة عشوائياً بإصدار الفعل عفویاً کیفما اتَّفَق؟ وهو –أعني استذكار الإرادات باستمرار وقيادتها- أمرٌ ليس بالعسير؛ فالنفْس جِبِّلَّتُها الطَّبْع، فما أن يَقع تمريسها على أمرٍ إلا صار سَجيّةً في صميم الحركة الصادرة عنها المرتبِطة بأحواله وظروفه المتطابِقة المتماثِلة والمتشابِهة.

4- الإخلاص في الغرض:

إنّ الإنسان قد يحدِّد الغَرَض، ويُشَخّصه، ويوجّهه أيضاً، لكنه مع ذلك لا يَجعله خالصاً صافياً عن الشوائب والكُدُورات المُعَكِّرة لخلوصه ونقائه وتماميّته وكَماله، وهذا النقص يَكون في كثير من الأمور نقصاً خطيراً، ويُفَوِّتُ جهة الصلاح لحساب جهة البُطلان والفَساد؛ تماماً كالأمور الأخلاقية والعِباديّة؛ فإنّ الذي مثلاً يَحضر مَجالس الاستماع والذِّكر لأجل التّعلُّم وفي نفس الوقت لأجل الرياء؛ يَكون قضى بجزء نيّته الفاسد –الرياء- على جزء نيّته الصالح –التعلم-؛ إذ تَتفوّق النّيّة الإنسانية بصفة ذاتيّة تَجعل مِن المَقاصِد دائماً مستهلَكة فيها لجهة البُطلان متى ما وُجِد مختلطاً مع الصَّلاح، فهي كالقضايا العقلية المنطقية نتائجها الخاطئة تَتبع أَخَسّ المقدِّمات.

والسر في ذلك؛ لأنّ هذا الجزء من الصَّلاح هو في ظاهره الشكلي متصف بالحُسن، لكنه في حقيقته بالدِّقّة ليس كذلك؛ فالذي يقول (أَستمِعُ لأجل أن أتعلّم ولأجل أن أرائي) فإنّ الاستماع هنا بمفرده هو فِعلٌ نفسي جوارحي فحسب، مِثله مِثل الآلة، والتّعلُّم فعلٌ نفسي ناتجه في العقل وهو حصول العِلم بعد إعمال آلة السمع والاستماع، والرياء فعلٌ نفسي ناتج في العقل مترافِق مع السماع من أولِ لحظة يَنوي فيها الرياء، لا أن الرياء سيَنتج بعد الاستماع كالتّعلّم؛ فلمّا كان الرياء أَسبَق كان هو المرتكِز عليه العمل والعمل تابعٌ له ككل؛ لذا لم يَتَقبَّل الله منه شيئاً؛ إذ لا جهة صلاح حقيقية في هذا الاستماع كما يوهم بادئاً.

والرياء –مثلاً- في حقيقته هنا لم يقع على الاستماع حتى يَكون التّعلّم جزءً من نيّة الاستماع والرياء جزءً آخر من نيّة الاستماع، وإنما الرياء واقِعٌ على التعلم نفسه؛ ذلك لأنّ الاستماع والتعلم مركَّبٌ طُوْليٌّ متَّحِدٌ ناتجٌ عن فعلٍ واحد هو الاستماع نفسه، والرياء ليس نتيجة للاستماع وإنما الاستماع نتيجة للرياء وإن تَرافَقا كما أوضحت؛ فهو لَمّا أراد أن يرائي ذَهب للاستماع لمَجالس الذِّكر والتّعليم.

والتّعلُّم لا يَقوم على الرياء وحده؛ ذلك لأن التعلم لا يتحقق هنا بدون الاستماع، والاستماع كمجرَّدِ فعلٍ فارغ لا يمْكِن أن يُنْوَى للرياء؛ إذ لا يمْكِن أن تقول أنا أَستمِع مجرَّد سمعٍ فارغ لأُرائي دون أي غرضٍ ناتج عن الاستماع واقع عليه الرياء، كما أنك لا تقول أُرائي لأتعلّم بالاستماع، ولا تقول أُرائي لأَستمِع بالتعلم، ولا تقول أَستمِع لأتعلم بالرياء، ولا تقول أتعلم لأُرائي بالاستماع بسمعي، ولا تقول أتعلم لأستمِع بالرياء، وإنما تقول أَستمِع لأُرائي بالتعلم؛ فالرياء دائماً متصدِّر؛ وبعبارة موجَزة: يَصير الرياءُ قاعدةً قام عليها الاستماع وتَوَلَّد عن الاستماع التعلم؛ وما بُنِيَ على باطل فهو باطل.

واعلَمْ أيها العزيز أنّ الإخلاص يَحتاج لطَرافة لُب ولطافة فِكر، كما يَحتاج للتّدبُّر لمعرفة ماهيّته، وما هي حدوده، وکيف يجب أن يَكون. وتحقيقه على وجهه التام يَتطلَّب مفارَقة الأطماع، ومفارَقة الأطماع تتحصّل بالاعتبار بالله تعالى وحده ومَعرفة شأن وقَدر إلهك الذي تَتعامل معه وشأن وقدر المخلوقين الذين ليسوا إلا صَنائع ضعيفة صَنَعها ذلك الإله العظيم مالِك كل العوالم العُلويّة والسُّفليّة فلا ترجو أحداً دُونه أو معه إذ لا محقِّق غيره لشيءٍ في مَحْضَر جبروته ومالكيّته وعظَمته.

يقول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اعتَبَرَ بِغِیَرِ الدُّنیا قَلَّتْ مِنْهُ الأَطْماعُ»[غرر الحِکَم ودُرر الکَلِم ص472].

ويقول إمامنا الحسین سلام الله علیه: «العاقلُ لا یرجو مَن لا یوْثَقُ به»[ريحانة الرسول ص55]، وفي اختصاص الشيخ المفيد قَدَّس الله سرّه روي أنه سُئِل الإمام الحسین عن خير الدنيا والآخرة، فكَتب عليه السلام: «بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فإنّه مَن طَلَب رضى الله بِسَخط الناس كفَاهُ اللهُ أمورَ الناس، ومَن طَلب رضى الناس بسخط الله وَكَلَه اللهُ إلى الناس، والسلام»[الاختصاص ص225].

فیا أيها العزيز! لا تَفْرَح بعبادتك الهوى والتقرب للمخلوق وإشابة نيتك ما لا إخلاص فيه، فإمامك الحسين علیه الصلاة والسلام يقول: «ولا تَفرحْ إلاّ بما نِلتَ من طاعة الله تعالى»[أسرار الحكماء ص90].

Open