الرئيسية / منوعات / منهاج السالک الحسيني【7】«توصيات للمستمعين عامة»

منهاج السالک الحسيني【7】«توصيات للمستمعين عامة»

بقلم: سماحة السيد أمين السعيدي

♦ فأول التوصيات: الغَرَض. وقد مضى منه:

1- ضرورة التّفكّر في الغرض وتحديده. و 2- تشخيص الغرض. و 3- توجيه الغرض. و 4- الإخلاص في الغرض. والإجابة على التساؤل: هل للإخلاص حدود وتفاصيل يمكن معرفتها؟ و 5- السَّير نحو تحقيق الغرض. وكيفيّة الضَّبْط. وفيما يلي:

 ثاني التوصيات الضرورية: التزوّد من المَجالس قدر الإمكان:

جاء رجل إلى الإمام علي بن الحسين عليه الصلاة والسلام يشْکُو إليه حالَه فقال صلوات الله وسلامه عليه: «مِسکین ابنُ آدمَ له في کل یوم‏ ثلاثُ‏ مصائبَ‏ لا یَعتبِرُ بواحدة مِنهنَّ ولَوِ اعتَبَرَ لَهانت علیه المصائبُ وأَمْرُ الدُّنیا، فأمَّا المصیبةُ الأُولى فالیومُ الذي یَنْقُصُ من عُمُرِهِ، قالَ وإنْ ناله نُقصانٌ في مالِه اغتَمَّ به والدِّرهَمُ یَخْلُفُ عنه والعُمُرُ لا یَرُدُّه، والثانیةُ إنه یَستوفي رِزقَه فإن کان حلالاً حوسبَ علیه وإن کان حراماً عوقبَ علیه، قال والثالثةُ أَعْظَمُ من ذلک. قیلَ: وما هي؟ قال: ما من یوم یُمْسي إلا وقد دَنا من الآخرةِ مَرْحَلةً لا یَدري على الجَنَّةِ أَم على النار …»[1].

إنّ عُمُرَك رأسُ مالك في هذا الوجود القصير، إننا كما عَبَّر عنا عليه السلام مساكين، ولن تَرتفِع عنا هذه المَسكنة إلا بمَعرفة حقيقة وجودنا والغرض مِن إيجادنا هنا، وبقَدر المَعرفة لدى كل إنسان تَنعقِد له الدرجات في جميع مَنازل الوجود، و«دِراسة العِلم –كما عن سيد الشهداء- لقاحُ المَعرِفة»[2]؛ فالعِلم سرُّ الأسرار، وبه تَفَوَّق آدم على الملائكة حينما سألهم الله تعالى بقوله ﴿أَنبِئُوني بأسماءِ هَؤلاء﴾[البقرة: 31]، وبهذا العلم تُنال الحكمة ويَتحقق الاعتصام:

«لا تُخْلِ نفْسَك مِن فِكْرةٍ تُزِیدُك حِكمةً، وعِبْرةٍ تُفیدُك عِصْمةً»[3]، إنها الأُنْسُ الجميل والسعادة الحقيقية حيث جاء: «فتَفكَّروا أیها الناسُ وتَبَصَّروا واعتَبِروا واتَّعِظوا وتَزَوَّدوا للآخرة تَسْعَدوا»[4]، وقد وَصَف نبينا العظيم صلى الله عليه وآله هذه السعادة لأبي ذر الغفاري رضوان الله عنه في حديثٍ اهتمَّ به أمير المؤمنين عليه السلام لدرجة أنه يرويه بنفْسه، قال:

«بينما أنا جالسٌ في مسجد النبي صلى الله عليه وآله إذ دَخل أبو ذر فقال: يا رسول الله جنازة العابد أَحَبُّ إليك أَم مَجلس العِلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر، الجلوس ساعة عند مذاكَرة العِلم أَحَبُّ إلى الله مِن ألْفِ جنازة مِن جنائز الشُّهداء، والجلوس ساعة عند مذاكَرة العِلم أَحب إلى الله من قِيام ألْفِ ليلة يُصَلّى في كلّ ليلةٍ ألف ركعة، والجلوس ساعة عند مذاكَرة العِلم أَحب إلى الله مِن ألْف غزوةٍ وقِراءةِ القرآن كلِّه. قال: يا رسول الله مذاكرة العلم خيرٌ من قراءة القرآن كلّه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

يا أبا ذر، الجلوس ساعة عند مذاكَرة العِلم أَحبّ إلى الله من قراءة القرآن كلّه اثني عشر ألف مَرّة. عليكم بمذاكرة العِلم فإنّ بالعِلم تَعرفون الحلال مِن الحرام. یا أبا ذر، مَن خَرج مِن بیته لِيَلتمِس باباً مِن العِلم كَتب الله عز وجل له بكل قدمٍ ثوابَ نبيٍّ من الأنبیاء، وأعطاه الله بكل حرفٍ یَسمع أو یَكتب مدینةً في الجنة، وطالِبُ العلم أَحَبَّه الله وأَحَبَّه الملائكة وأَحبه النبیون، ولا یُحِبُّ العِلمَ إلا السعید، فطُوبى لطالب العلم یوم القیامة. يا أبا ذر، الجلوس ساعة عند مذاكرة العلم خيرٌ لك من عِبادة سَنة صيامِ نهارِها وقيامِ ليلِها، والنَّظَر إلى وجه العالِم خيرٌ لك مِن عِتْقِ ألْفِ رَقَبة، ومَن خَرج مِن بیته لیَلتمِس باباً من العِلم كَتب الله له بكل قدمٍ ثواب ألف شهید من شُهَداء بَدْر، وطالِبُ العلمِ حبیبُ الله، ومن أَحَبَّ العِلمَ وَجبَت له الجنة، ویُصْبِح ویُمْسي في رضا الله، ولا یخرج من الدنیا حتى یَشرب من الكوثَر، ویَأكل من ثمرة الجَنة، ولا يَأكُل الدُّودُ جسدَه، ويَكون في الجنة رفيق الخِضرٍ علیه السلام، وهذا كلُّه تحت هذه الآیة قال الله تعالى: ﴿یَرفَعِ اللهُ الذِینَ آمَنُوا مِنكُم والذِین أُوتُوا العِلمَ دَرَجاتٍ﴾»[5]، بل فيما أَسْنَدَه الطَّبَرانيُّ عن ابن عباس قال صلى الله عليه وآله: «من جاءه أَجلُه وهو يَطلب العلم لقي الله ولم يَكُن بيْنه وبين النبيِّين إلا درجة النّبّوة»[6].

فنَتَجَ إذاً أنه ينبغي أن يَكون الحُضور مِن المُوالي مِن مُنطلَقٍ عَقَديٍّ إيمانيٍّ عِباديٍّ متّزِن، وليس مِن منطلَقٍ عاطفيٍّ فحسب؛ فإنّ تعظيم وإحياء شعائر الله مِن أَعظم القُرُبات إلى الله، ولابُدَّ مع قَصْدِ القُربة له تعالى أن يحْضر لهذه الشعائر بمنطق ووعي واتزان لِينال الأجر العظيم؛ أجر المواساة لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام الذي هو حقيقةً مواساة لأنفُسِنا نحن، وأجر العلم الذي هو تَنْوير النَّفس والسَّير نحو التكامل الجَوانِحي والجوارحي الباطني والظاهري.

 ثالثها: اختيار أفاضل المَجالس واجتناب الشبهات:

فَلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه؛ أَسنَدَ البَرْقِيُّ عن زيد الشَّحّام عن أبي جعفر في قول تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه﴾: «قلتُ: ما طعامه؟ قال: عِلمه الذي يَأخذه عمّن يَأخذه»[7]؛ فالعِلم طعام عقلِك الذي هو أَعظم وأَقدس مَلَكة تمتلكها كإنسان، فاْنظر ماذا تُدْخِل فيه. ولا يَغِب عن بالك أنّ الكَيْف أهمُّ مِن الكَم والمعنى أهم من الكَثْرة. اختر أفاضل المَجالس عِلماً وعطاءً وورَعاً وتقوى، لا أَفاضلها أكلاً وشرباً وأجملها شكلاً وهَيْئة وأکثرها جماعةً وشباباً وأجملها صوتا .. اختر المَجلس الذي يروي طموحك العقلي والروحي لا المجلس الذي يعجب صاحبك أو التيار الفلاني أو يتواجد فيه جارك ..

لكن هذا لا يَمنع أيضاً عن التّزوّد من المَجالس الأخرى والآخرين شريطة أن لا يَكون على حساب الواجبات والتكاليف الأهم، فالتزود من المَجالس الأخرى ومن الآخرين في هذه الحال لا مانع منه، بل يَكون أحياناً محموداً عند العُقَلاء مطلوباً لدى الشرع مستحَبّاً؛ ذلك لأن المَجلس –کما سَلف- ليس كلَّ نفْعٍه العلم، وإنما یراد لغيره أيضاً؛ كنَيْل البَرَكة وأكلِ الفقير الطعام والتشجیع والمشارَكة والإحياء بعنوانه الأَعم والدَّعم والتلاقي والتعارف واستِظهار مستويات الخطباء وأهل المنبر واستِبصار مستويات أهل العلم .. للاحتجاز عن الشُّبُهات ومراوَدة مَنابر ومَجالس أَفاضلهم فيما يَستأنِف من الليالي والأيام فيما بَعْد ..؛ ففي الخبر الشريف «إنَّ مَن صَرَّحَتْ له العِبَرُ عَمَّا بَیْنَ یَدَیه مِنَ المَثُلات حَجَزَه التَّقْوَى عن تَقَحُّمِ الشُّبُهاتِ»[8]؛ والتجنب للشُّبُهات یحصل بالاستظهار؛ فإنه «فازَ مَن کانت سَجِیَّتُه الاستِظْهارَ»[9].

لهذا تَفَطَّنْ إلى أنّ ما قول الإمام الصادق عليه السلام للفضيل بن يسار: «أتْجلسون وتَتحدثون؟ قال: نعم. فقال عليه السلام: أَمَا أنّي أُحِبُّ تلك المَجالِس»، فما قوله عليه الصلاة والسلام هذا إلا إشارة لعموم الفوائد المتنوّعة التي يَرجو تحقيقها وإشاعتها بين المؤمنين، أتجلسون؟ لماذا؟ لأن هذه المَجالِس طريقٌ اجتماعيٌّ مؤثِّرٌ وعظيمٌ للتزود والصلاح ومختلَف الخيراتِ الجِسام.

وأأكِّد في ذات الحين، على مستوى التعلم ونيل الخير وإشاعته يَلزَم أن يَختار المؤمن المَجلس بمعیار الصلاح والعلم لا المقاییس المادية والوجاهَتِيّة؛ فـ«لا يَكمُلُ العقلُ إلا باتّباع الحق[10]، ومُجالَسةُ الدّناءةِ شَرّ، ومجالَسةُ أهلِ الفُسوقِ رِيْبة[11]»، وأنت خَبيرٌ أنّ عَكْسَ مقالِ الإمام الحسين هذا نتَاجَه بالعكس.

 لِمَن نَستمِع؟ وهل نَقتصِر على الحضور لجهة محدَّدة من الخطباء والمحاضِرين ..؟

يأتي إن شاء الله تعالى.

_______________

 الهامش:

[1] الاختصاص، للشیخ المفید: ص342.

[2] بحار الأنوار، للعلامة المجلسي: ج75 ب20 ص128 ر11.

[3] غرر الحكم و درر الكلم، للشيخ عبد الواحد التميمي الآمُدي المتوفى 510هـ: ص57.

[4] المصدر السابق: ص471.

[5] موسوعة أحاديث أهل البيت، للشيخ هادي النجفي: ج7 النظر إلى العالِم ص274 ح8771/ 4.

[6] المعجم الأوسط، للطبراني: ج9 ص174 – مجمع الزوائد، للهيثمي: ج1 باب فضل العالِم والمتعلِّم ص123.

[7] المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي: ج1 باب الاحتياط في الدين والأخذ بالسُّنّة ص220 ح127 – الكافي، للشيخ الكليني: ج1 باب النوادر ص49 ح8.

[8] نهج البلاغة، صبحي صالح: ص57 – غرر الحكم ودرر الكلم، للتميمي الآمدي: ص 472.

[9] انظر غرر الحكم ودرر الكلم، للآمُدي: ص472.

[10] أعلام الدين، للديلمي: ص298.

[11] وسيلة المآل، لأحمد بن المفضل الحضرمي: ص183.

Open