الرئيسية / مقالات / فصول (1).. مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام

فصول (1).. مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام

بقلم: رضي الحصار

اعتراف

كانت الفقرة التي وردت في ختام كتاب الجابري ” تكوين العقل العربي ” هي التي حفزته أن يعيد إجراء الحفريات التاريخية في دهاليز الكتب القديمة ، ليتمخض عنها كتابه ” مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام ” والذي كان بالأصل فصلا من فصول مشروع نقده على “”نقد العقل العربي ” فارتأى أن يفرده ككتاب مستقل لأهمية موضوعه في الساحة الفكرية .

هناك سؤال طاغ على المفكرين العرب والمسلمين أوغيرهم ومن تعاطى في دراسته الأكاديمية محاولة فهم العوامل التي أدت في النهاية إلى تخلف العرب والمسلمين من جهة ، وبالضد منها نهضة أوربا في الجهة المقابلة . إن الحضارة العربية الإسلامية في انطلاقتها وركيزتها كان الدين ، والذي على أساسه بنيت قاعدة الحراك في العالم شرقا وغربا ، فهل لنهضة أوربا صلة بالدين المسيحي ؟ أو بمعنى آخر هل فعل الدين المسيحي في نهضة أوربا ما فعله الإسلام في نهضة العرب والمسلمين ؟

يقدم الجابري في كتابه ” نقد العقل العربي ” رؤيته بعد الدراسات المقارنة بين التخلف والنهضة ، وبعد مقارنة ضدية بين العقل الأوربي المسيحي والعقل العربي الإسلامي في تعاملهما مع ( الفلسفة ) بصفة عامة ومع المنظومة الأرسطية بصفة خاصة فيصل إلى أنها أحد الأسباب الكبرى في التأثير سواء بالتبني أو بالترك والمعارضة لها حسب رؤيته والتي جاءت على لسانه :” أما في الثقافة العربية فلم يكن قد تم الاعتراف بالمنظومة الأرسطية بنفس الصورة التي اعترف بها في أوربا المسيحية ؛ لأن السلطة المرجعية المسيحية الكنسية …” هذا عن أسباب تخلف المسلمين . وأما عن أسباب تقدم غيرهم : فإن عوامل النهضة الأوربية فترجع بدورها إلى عنصرين ، هما :

1- الموروث اليوناني

2- ونضال الكنيسة ضد الغنوص ( العقل المستقيل ) نضالا متواصلا طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحية ، مما كانت نتيجته اقصاءه بصورة تامة من حظيرتها . وقد استعانت في نضالها ضد الغنوص ب” المعقول العقلي ” اليوناني وفي مقدمته المنطق ، مما جعل ” العقل الكوني ” يبقى حاضرا باستمرار في الفكر المسيحي “. هذه هي رؤية الجابري مختصرة حول موضوع التخلف والنهضة .

لم يرتض غيره من المفكرين هذه الرؤية ؛ لما فيها من علل وأسباب ، فكان من أوائل من جرد القلم وأصدر كتبا في الرد و” نقد ” هذه الأطروحة المفكر جورج طرابيشي في كتابين كبيرين ، أولهما “”نظرية العقل ” وثانيهما ” اشكاليات العقل العربي ” و كذلك ” مصائر الفلسفة ” . لقد قدم الجابري المسيحية كدين منفتح على الفلسفة ، ونقيضه الإسلام المنغلق والرافض لها ، وبالتالي منغلق عن ” العقل الكوني ” !! وهذا هو ما أثار طرابيشي ، الذي قرأ ما بين السطور أن الجابري ” … يتبنى أو يعيد لحسابه الخاص انتاج ذلك الشق من الأيديولوجيا الاستشراقية الذي ما فتىء يسعى في سياق المركزية الإثنية الأوربية إلى تكريس وعي تاريخي كاذب فحواه أن المسيحية النازحة غربا انفتحت على ما انغلق دونه” الإسلام الآسيوي ” فكان تقدمها في ظل الحضور الدائم للعقل الكوني ، بينما كان تأخر الإسلام في ظل غياب العقل ” .

إن هذه رؤية ( آيديولوجية ) أي غير مطابقة لأي واقع تاريخي ، بل إن الواقع التاريخي معاكس تماما لهذا الطرح . وإذا صح تعريف الأيديولوجيا بأنها وعي مقلوب فلن يكون من هم سوى إعادة الحقيقة التاريخية المعمى عليها أيديولوجيا وإيقافها على قدميها ، وبالتالي قلب معادلة التقدم والتأخر في المسيحية والإسلام .

وستكون الفصول القادمة في بيان وتفصيل مغالطات هذه الرؤية الآيديولوجيا الأوربية التي تبناها وقدمها الجابري في كتابه ” نقد العقل العربي ” .

يتبع ….. 1

رضي الحصار

2018 / 2 /2

1439 /5 /16

تعليق واحد

  1. مقال جميل من الاستاذ رضي وننتظر منه الفصول القادمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open