الرئيسية / مقالات / فصول (2).. المركزية الأوربية والصراع على تاريخ العقل

فصول (2).. المركزية الأوربية والصراع على تاريخ العقل

رضي الحصار

تمخض القرن التاسع عشر عن ولادة ( المركزية الإثنية ) الأوربية ، وبات تاريخ الفلسفة مركزا لصراع انثروبولوجي . فالحضارة الأوربية الغربية قرأت نفسها حضارة عقل مطلق ، أعادت على ضوء هذه النرجسية قراءة تاريخ الفلسفة . وكانت النقطة الجوهرية في هذه الإعادة هي “” تغريب العقل اليوناني “” بوصفه العقل المؤسس للحظة ميلاد الفلسفة .

لقد تدفق نهر الفلسفة في أثينا والممالك والمستعمرات اليونانية ، وكان ذلك قبل ظهور المسيحية بقرون عديدة ، حيث أن أوربا لم تدخل في المسيحية كديانة رسمية إلا في القرن الرابع الميلادي ، كما لا يخفى أن شعوب أوربا متباينة فيما بينها في العرق واللغة كما هو التباين الموجود في قارتي آسيا وأفريقيا ، وهذه حقيقة لا يختلف عليها الباحثون ، فكيف انتقل إرث ( الفلسفة الوثنية ) اليونانية إلى ( أوربا المسيحية ) ، ليعم كل القارة الأوربية على تباين شعوبها في العرق واللغة ، ليصبح الغرب الأوربي وارثه والوصي عليه ؟ . لقد صادر الغرب الأوربي هذا الأرث الفلسفي برسم جغرافية فلسفية خيالية متجاهلا التاريخ والمراحل التي مر بها عبر حقبه المختلفة ، وأن الفلسفة اليونانية انتهى نهر تدفقها الفعلي ابتداء من القرن الثاني عشر ، فكان مجرى نهر الفلسفة بدأ تدفقه في حضارة عربية إسلامية ، غير أن الآيدويولوجيا وفكرة المركزية الأوربية قد أغفلت عن عمد وأسقطت من تواريخ الفلسفة المتدوالة هذه الحقيقة . ومن أبرز معماريي المركزية الإثنية الأوربية ، وصائغ أسطورة تفوق الجنس الآري ودونية الجنس السامي في القرن التاسع عشر ارنست رينان ( 1892 – 1823 ) .

الفكرة التي قدمها رينان في كتابه ” التاريخ العام والمقارنة للغات السامية ” في عنصرية طاغية بتفوق العرق هي ” أن البحث الشجاع والفلسفي عن الحقيقة هو من نصيب العرق الهندو _ أوربي ، ومن أن الجنس السامي لم يؤت ملكة النظر العقلي “. ومقولته المشهورة ” من التعسف أن نطلق اسم فلسفة عربية على فلسفة لا تعدو أن تكون استدانة من اليونان ..فهذه الفلسفة مكتوبة بالعربية ليس إلا . وما فلاسفة الحضارة العربية الأسلامية الذين ظهروا إلا من عرق هندي _ أوربي ، وكان ظهورهم في الأطراف كالأندلس والمغرب وفارس وسمرقند ، وما بينهم إلا عربي واحد هو الكندي “. وقد وجدت لهذه الفكرة أنصار من كبار المفكرين والمؤرخين العرب في العصر الحديث ، فأشاعوها في مؤلفاتهم ، من أمثال أحمد أمين في ” ضحى الإسلام ” حيث عبر عنها بقوله :” إن أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد كانوا كالمفوضية اليونانية في البلاد الإسلامية ” ، وأما عبدالرحمن بدوي فعبر عنها في كتابه ” التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ” بقوله :” الفلسفة منافية لطبيعة الروح الإسلامية ؛ لذا لم يقدر لهذه الروح أن تنتج فلسفة ، بل ولم تستطع أن تفهم روح الفلسفة اليونانية وأن تنفذ إلى لبابها “. وثالث القوم هو الجابري الذي سطرها في كتابه ” التراث والحداثة ” ، فقد جاء فيه :” إن العقل اليوناني البرهاني قد ” تعرفن ” و” تهرمس ” و ” تغونص ” ، بقدر ما تمشرق ، ولم يقيض له أن يستعيد عقلانيته إلا بقدر ما عاد يتمغرب ، بعد طول تخبط في مستنقع اللاعقلانية المشرقية ، ويعيد تكوين نفسه في لحظة تأسيسية ثانية في نقدية ابن حزم ، وعقلانية ابن رشد ، وأصولية الشاطبي ، وتاريخية ابن خلدون “. إن انتقال الفلسفة اليونانية البرهانية إلى الديار العربية الإسلامية هي موت للفلسفة في دار الإسلام ، ذلك هو لب الدعوة الرينانية واستطالاتها في الثقافة العربية الفلسفية الحديثة والمعاصرة .

إن الدعوى الرينانية حول مصائر الفلسفة لا تميز في الأصل بين الإسلام والمسيحية واليهودية ، فالديانات الثلاث كلها سامية المنشأ والجغرافيا ، فهي منجبة للتوحيد وللأديان ،ولكن من جهة أخرى نجد أن العرق السامي مجذب في الفلسفة . غير أن المسيحية لما انسلخت من ساميتها وجغرافيته وتغربت أوربيا نجد أنها انتهت من عدائيتها للعقل الفلسفي فأصبحت حاضنته . وبالمقابل فإن الإسلام اضطهد على الدوام العلم والفلسفة ، وانتهى به الأمر أن يقتلهما قتلا ، فيقول رينان :” أن تعاليم الإسلام تتنافى مع البحث والنظر الحر ، وأنها تبعا لهذا لم تأخذ بيد العلم ولم تنهض بالفلسفة ، ولم تنتج إلا إنحلالا موغلا ، واستبدادا ليس له مدى ، في حين أن المسيحية كانت مهد الحرية ومنبت النظم النيابية . وقد صانت ذخائر الفنون والآداب وبعثت العلوم بعثا قويا ، ومهدت للفلسفة الحديثة وغذتها “.

لقد سعى الغرب الأوربي الذي لا يملك تاريخا حضاريا أن يشبع نرجسيته ونقصه باختراع تاريخ مثالي كاذب ، يقوم على القول : بأن هناك زواجا كاثوليكيا قد تم بين المسيحية الأولى والفلسفة اليونانية ، وأن المسيحية يهودية الأصل ، ولكنها نمت في جو من الهلينية ، وناسبت الفكر الهليني مناسبة تامة ، ونفذت الثقافة والفلسفة الإغريقية إلى تعاليم المسيحية ، وهكذا تشكلت ” الكنيسة المسيحية ” منذ البداية لتكون معلم الثقافة العقلية الإغريقية في القرون الأولى من تاريخ المسيحية . ويقول ديلاسي أوليري أستاذ الدراسات العربية في جامعة بريستول :” .. وقد جاء المنبع الرئيسي للمادة العلمية والفلسفية إلى العرب عن طريق النفوذ المسيحي والكنيسة المسيحية “. وهذه المقولة تدعو الدارسين إلى وقفة تأمل !

إن مقولة أن الكنيسة قبلت الفلسفة ، وأن المسيحية تأسست على قواعد فلسفة الإغريق ، وأن الزواج قد تم بينهما منذ البداية لظهور المسيحية مقولة فيها الكثير من الأدعاء والمغالطات التاريخية إن لم نقل الكذب الصراح المجانب لوقائع التاريخ . ولسوف يعرض طرابيشي في الفصل القادم لتاريخ نشوء الكنيسة وبداية انتشار المسيحية ، وما موقف الكنيسة من الفلسفة تحت عنوان ( عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى ).

يتبع .. 2

رضي الحصار

1439/5/17 2018/2/3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open