الرئيسية / مقالات / فصول (3).. عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى

فصول (3).. عذابات الفلسفة في المسيحية الأولى

رضي الحصار

لقد صور لنا الغرب في أطروحته الجديدة أن المسيحية الأولى كانت متصالحة مع الفلسفة والثقافة اليونانية المتعددة المناهج ، والبيئة الحاضنة لمختلف المناهج العقلية الفلسفية . فقدمت المسيحية كدين امتزج بالثقافة اليونانية الفلسفية فتشربت مناهجها به ، فكان قيامها في أوربا على هذه القاعدة المتصالحة . فهل كان هذا حقا تاريخ الوقائع للمسيحية الأولى والفلسفة ؟ أم أن هذا تاريخ مختلق أوجدته الرؤية الجديدة للمركزية الأوربية ؟

” لقد قلنا إننا نطعن في الإشكالية ذاتها . ذلك أن المسيحية كالإسلام ، دين وحي ، ومرجعيتها مثله ، إلى نص أول مطلق ينزع إلى تأسيس نفسه في عقيدة قويمة ( أورثوذكسية ) تتنافى والروح الفلسفي الذي يقوم على البحث الشخصي المستقل والحر عن الحقيقة . ولقد جاءت المسيحية – حتى قبل تسنينها – في عقيدة مغلقة ، مصادمة لروح الفلسفة اليونانية في نقطتين ميتافيزيقيتين أساسيتين : الخلق من عدم ، والتجسيد الإلهي “…” فالكون في التصور السائد – وبخاصة الأرسطي – من الفلسفة اليونانية غير مخلوق ، وقديم قدم الله نفسه ، ومشارك في الماهية الإلهية بثباته وبثبات القواتين التي تنتظمه وتحكم حركته الأبدية . فالكون بمعنى من المعاني هو الله نفسه . والحال أن المسيحية تقوم على فكرة مبادأة تاريخية جذرية تتمثل بتجسد المسيح الذي يحدث تغيرا انقطاعيا في مسار الكون والزمن معا . وبما أن الشق الذي انتصر وساد من المسيحية هو ذاك الذي يقول بألوهية المسيح ، فإن فعل التجسد يعادل خرقا للثبات الإلهي والكوني معا . وهذا بالتحديد ما كان يشق كل المشقة على ورثة الفلسفة اليونانية أن يقبلوه .” وكان ( قلسوس الأبيقوري ) الذي كان يعيش في القرن الثاني الميلادي ، والذي قد يكون أول من تصدى لنقد المسيحية فلسفيا وبيان تعارضها مع مبدأ العقل في كتابه ” البيان الحق ” حيث يقول :” إن الله خير وجمال وغبطة ، ومقامه ليس أجمل ولا أمثل . فإذا نزل إلى البشر يكون قد خضع لتغير ، وهذا التغير سيكون بالضرورة من حسن إلى سيِّء ، ومن جميل إلى قبيح ، ومن هني إلى شقي … فمن يرغب في تغير كهذا ؟ ناهيك عن أن ما هو فانٍ خاضع بطبيعته للتحول والفساد . أما ما هو خالد فيبقى بماهيته مطلقا لذاته دواما . وليس لله أن يقبل تغيرا كهذا “.

كانت الأمة المسيحية الأولى أمة من البسطاء الفقراء الأميين الذين لا يملكون حضا من التعليم ، ولذا لا عجب أن لا تكون لهم معرفة بالفلسفة أو الثقافة اليونانية ، إذ أن هذه الثقافة كانت للطبقة العليا من المجتمع ، وفي حواضر اليونان والثقافة اليونانية . وكان المبشرون المسيحيون الأوائل يتحركون في وسط المجتمعات البسيطة الفقيرة ، ولذا ” فإن الصدام مابين المسيحية الأولى والثقافة اليونانية قد امتد أيضا إلى الجانب المعرفي ( الابستمولوجي ) إن جاز التعبير . فالبرهان هو لغة العقل الفلسفي ، أما النبوة فخطاب من الوجدان إلى الوجدان . وجميع المنافحين عن المسيحية في القرون الأولى كان لهم هم مشترك واحد هو : توكيد تفوق الأنبياء على الفلاسفة ، وحقيقة الأنبياء على حقيقة الفلاسفة ، ولغة الأنبياء على لغة الفلاسفة . فحجة الإيمان غير حجة العقل وفوق حجة العقل . والإيمان مقره قلوب البسطاء لا عقول الحكماء . ومن هنا اعتماد الكنيسة الأولى في تبشيرها لغة المعجزة ولغة الشهادة ، ولغة العمل الصالح ، ولغة القدوة والمثل دون لغة الاستدلال العقلي التي هي لغة النخبة المثقفة “. يقول أثاناغوراس – من النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي- في دفاعه عن أمية الجمهور المسيحي للإمبراطورين “” الوثنيين “” :” اسمحا لي أن أرفع صوتي وأن أتكلم بجسارة كما لو أمام ملوك فلاسفة : هل بين من يحلون الأقيسة المنطقية ، ويفكون التباسات العبارة من يحوزون نفْسا طاهرة بما فيه الكفاية كيما يحبوا أعداءهم بدلا من أن يبغضوهم ، وكيما يباركوا الذين يلعنونهم بدلا من أن يردوا عليهم بشتائم ، وكيما يصلوا من أجل الذين يريدون موتهم ؟ . إنكما لواجدان عندنا أناسا فقراء وحرفيين ونساء عجائز ما لهم في أغلب الظن قدرة على البرهان بالبيان على قيمة عقيدتنا ، ولكنهم يقيمون عليها الدليل بأعمالهم ، فهم لا يلقون خطبا لاهبة ، ولكنهم يظهرون أعمالا صالحات “.

“لم تقتصر المصادمة بين الثقافة اليونانية القديمة والديانة الجديدة على الميتافيزيقية والسوسيولوجية والابستمولوجية ، بل امتد إلى الحقل الأيديولوجي أيضا ” فقد شن الطرفان هجمات متبادلة ، وصراعات دموية امتدت عبر القرون الأولى . وقد يكون أول من بدأ شرارة هذا الصراع هو ” بولس الرسول ” المؤسس الثاني للمسيحية فهو ما اكتفى بتحذير معتنقي الديانة الجديدة من ” خدعة الفلسفة ” ، بل أعلن عن الاستغناء عن الحاجة إلى الحكمة البشرية من أساسها بعدما بزغت على جناح الرسالة المسيحية الحكمة الإلهية . وفي أعقاب بولس صدح ( ترتليانس ) بكتبه كأول منافح كتب باللاتينية دفاعا عن المسيحية ، فيقول في إحدى عباراته :” … إن مذهبنا آت من رواق سليمات الذي كان هو نفسه علم بوجوب البحث عن الله بكل بساطة القلب . ترحى لأولئك الذين ابتكروا مسيحية رواقية أفلاطونية جدلية ! أما نحن فما عادت بنا حاجة إلى الفضول بعد يسوع المسيح ، ولا البحث بعد الإنجيل” . ومع تقدم انتشار المسيحية في القرن الثالث ، وعلى الأخص الرابع الميلادي غدت صفة ” اليونانية ” نفسها مرذولة سواء أطلقت على الفلسفة أم على الحضارة ، فباتت مرادفة للوثنية . فهذا أسقف روما ” القديس هيبوليتس ” فحذر من الفلسفة في كتابه ( تعاليم الرسل ) بوصفها مصدر الهرطقات كافة ، وأن ” حكمة اليونان مسمومة ” فينبغي الامتناع التام عن قراءة كتب الوثنيين الشيطانية ؛ لأن ” الإنجيل وحده ينبغي أن يقدم الغداء للحياة العقلية للمسيحي “. وفي المقابل انبرى لأنصار الفلسفة من يدافع عنها ، فهذا أحد زعماء المدرسة الأفلاطونية المحدثة في القرن الثالث الميلادي ( فرفوريوس الصوري ) وضع كتابا بعنوان ( الرد على المسيحيين ) فند فيها الأناجيل إصحاحا إصحاحا ، متهما مؤلفي الأناجيل الأربعة بأنهم ” مخترعو – لا مؤرخو – الأشياء التي يروونها عن يسوع ” . وقد أجرى فرفوريوس إحصاء شاملا لتناقضات الأناجيل فيما بينها ، وشمل بنقده العهد القديم كما العهد الجديد ، وندد بالإحالات التي لا يقبلها العقل من قصص الكتاب المقدس ، وانتهى إلى دمغ الديانة الجديدة برمتها بأنها تقوم على ” إيمان لا عقلاني ” ، وتشكل ” مشروعا بربريا يتهدد الحضارة في ماهيتها بالذات “.

كانت المسيحية عبر مسارها في القرون الثلاثة الأولى قد انتشرت بين الطبقات الفقيرة الكادحة ، إلى أن وصل الأمر في القرن الرابع الميلادي أن يعلن الإمبراطور قسطنطين رسميا أن الديانة المسيحية ديانة معترف بها في الإمبراطورية الرومانية . وهكذا صعدت المسيحية إلى أعلى قمة هرمية في السلطة السياسية ، وجرى التحالف السياسي الديني بينهما ، وأصبحت الفلسفة في موقع الضعيف الذي لا ناصر له أمام المسيحية المستقوية بالسلطة السياسية فيمن يعارضها في مسار حركتها . فقد أصدر ابن قسطنطين مرسوما بإغلاق المعابد وحظر الثقافة اليونانية ، بل قمعها بقبضة حديدية . وجاء بعده الإمبراطور يوستينس ( 527-518 ) وابن أخيه يوستنيانس ، الذي يجمع مؤرخو الكنيسة أن توطيد العقيدة القويمة كان في عهديهما . فقد أصدر يوستنيس مرسوما أول يلزم جميع الأساقفة في أنحاء الإمبراطورية بالاعتراف بمجمع ( خلقيدونية – 451 م ) الذي يعد أخطر مجمع في تاريخ الكنيسة بعد مجمع نقيا ، الذي يلغي أي فرقة مسيحية لا تقر بمخرجات ذلك المجمع ، والغاية منه توحيد المسيحية في مذهب واحد بالقهر السياسي ، تحت شعار الوحدة المقدسة للكنيسة والدولة . بيد أن المهمة الكبرى التي أخذها يوستنيانس على عاتقه هي استئصال البقية الباقية من ( الوثنية ) أي الفلسفة والثقافة اليونانية ، فجاء الفصل النهائي في مشهدها الأخير بإغلاق ( جامعة الفلسفة ) في أثينا عام 529م ، وبمنع تعليم الفلسفة ، وهكذا أسدل الستار على آخر مدارس الفلسفة اليونانية ، أي الأفلاطونية المحدثة ، وانتصرت المسيحية على المعقل الأخير للوثنية في القرن السادس الميلادي.

كانت أوربا قد دخلت في سباتها العميق في القرن السابع بالكامل ، ولم تقم قائمة للفلسفة والعلوم العقلية بعد ذلك وعودة الروح فيها إلا بالتحويلة التاريخية التي حمل فيها العرب والمسلمون فيها تراث اليونان الفلسفي إلى حضارتهم ، فانتعشت ونمت وعاد إليها رونقها من جديد . إن الصورة المقلوبة التي رسمها المستشرقون والمؤرخون الغربيون لمسار تاريخ الفلسفة وتصالحها مع المسيحية ، وتصادم الإسلام معها إنما هي من صنع الخيال الماكر والكاذب ، والمرتكز على الآيدويولوجيا الغربية الجديدة ، وهذا هو تاريخ الفلسفة وتراث اليونان والمسيحية في قرونها الأولى يرينا أن التصادم كان هو الحقيقية لهما وليس التصالح ، وأن مقولة رينان ورأيه ، ومن تبعه من الرينانيين ليس له أرضية واقعية في التاريخ .

يتبع ….. 4

رضي الحصار

1439/5/21 2018/2/7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open