الرئيسية / مقالات / فصول (4).. الفلسفة الإسلامية من المواطنة إلى المنفى

فصول (4).. الفلسفة الإسلامية من المواطنة إلى المنفى

رضي الحصار

” إن الوقائع عنيدة – كما يقول المثل – ووقائع التاريخ العربي الإسلامي تقول : إن الفلسفة العربية الإسلامية قد وجدت ، وأن عشرات من الفلاسفة من المسلمين سنة وشيعة ، ومن النصارى واليهود والصابئة ، قد عاشوا ونبغوا في القرنين الثالث والرابع للهجرة ، وألفوا كتبهم بالمئات ، واصطنعوا بالعربية لغة فلسفية لا تصمد للمقارنة معها ، قبل ثورة الحداثة الأوربية ، سوى يونانية العصر الهلنستي أو لاتينية العصر الوسيط المتأخر “.

إن الفلسفة في تاريخ العرب والمسلمين بدأت بعكس ونقيض الفلسفة في تاريخ المسيحية . دخلت الفلسفة إلى الحضارة العربية الإسلامية من بوابة أعلى سلطة هرمية في السياسة وهي بوابة الخلفاء مرحبا بها ومحمولة على الأكف ، وفتحت لها المدارس وحواضر العلم في العواصم العربية والإسلامية . فكان دخولها موفورة ومحمية بالسلطة السياسية ، فكان أن أينعت بنتاجات كبار من الفلاسفة إلى القرن الرابع الهجري ؛ حيث بان الضعف في السلطة السياسية ، وتشظت الإمبراطورية العربية الإسلامية إلى دويلات وحروب وقلاقل ، حتى وصل الأمر إلى عاصمة الإمبراطورية بغداد نفسها . فأصبح كرسي الحكم يتلاعب به ، وودعت بغداد وهجها العلمي ، وبدا أفول العلم في الاضمحلال رويدا رويدا ومن بينها الفلسفة . ومن هنا يرفض طرابيشي مقولة أن الغزالي هو الذي أسقط الفلسفة بكتبه ، ويقول أن الغزالي وجه ضربته لميت ، فقد ماتت الفلسفة قبل كتبه بخمسين عاما .

ليست التقلبات السياسية هي السبب الوحيد لسقوط الفلسفة في القرن الرابع الهجري ، فقد كان هناك سبب قوي آخر كان له حضور قوي ومساعد على سقوط الفلسفة ، والذي أسماه ( تسنين العقيدة القويمة ) ، والذي هو الصورة المقابلة لما حدث في تاريخ الكنيسة المسيحية . فلقد جاء إلى السلطة السياسية من يكره الفلسفة والفلاسفة ، بل وصل إلى في القرون التالية إلى ( علم الكلام ) العلم الإسلامي الصرف المنبثق للدفاع عن العقيدة ، فقد أدرج ضمن العلوم المغضوب عليها ، فهي رديف الفلسفة عند بعضهم ، بل وصل الأمر إلى تحريم علم الكلام .

استنتج طرابيشي أن ( تسنين العقيدة القويمة في الإسلام ) – الأرثوذكسية الإسلامية – كانت بدايتها على يد أحمد بن حنبل ( 241 – هج290 ) أو إلى الحركة التي قادها أهل الحديث والفقهاء ، وبلغت ذروتها على يد ابن تيمية في القرن الثامن .

كانت السلطة السياسية وصلت للخليفة القادر بالله ( 442-381هج ) بعد أن قضى قبله المتوكل على المعتزلة ، فجاء الدور التكميلي لتغييب المنهج العقلي بأن أصدر القادر بيانا يتضمن العقيدة الرسمية التي تتبناها السلطة الرسمية ، بل إن ابنه القائم بأمر الله أخذ التواقيع على الفقهاء والعلماء بصحة ومرجعية ( البيان القادري العقدي ) وأن من خالفه حل به النكال والعقوبة ، حتى قال ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم ” وصار ذلك سنة في الإسلام ” ، فمنع التدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام . وهكذا ، ولأول مرة في تاريخ الإسلام وتماما على طريقة ( مجمع نقيا المسيحي ) غدا النص المركزي مقيدا بنص فرعي ، وغدا التقيد بالنص الثاني مقدما على النص الأول ، وغدا عدم التقيد بالفرع المقيد للأصل “” فسقا وكفرا “”.

ومن هنا فإن التطهير الآيديولوجي للفلسفة في القرن الخامس تحول في القرنين السابع والثامن إلى حملة شرسة لاستئصال ” جذور الكلام ” . وبهذا المسار أخذت الفلسفة تضمحل رويدا رويدا ، لتبقى في الزوايا المجهولة الغير فاعلة في المجتمع الإسلامي ، مهملة في زواياه .

4….

رضي الحصار

1439/5/ 25 – 2018/2/10

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open