الرئيسية / مقالات / خواطر من مجلس المرحوم العلامة الفضلي عليه الرحمة (5)

خواطر من مجلس المرحوم العلامة الفضلي عليه الرحمة (5)

الكِتاب والكتابةُ في مجلس العلامة الفضلي
بقلم: سعيد حسن المطرود

يعدّ مجلس العلامة الفضلي -عليه الرحمة – الذي يحبّ أن يسميه بـ (دارة الغريين )، الاسم الذي يُذكرُهُ دائمًا بأرض الغري .. النجف الأشرف، أحد الروافد الثقافية لمرتادي ذلك المجلس، سواء كان المرتاد سائلاً أم مستمعًا..

فعند العلامة الفضلي لا يوجد سؤال تافه أو محرج، إذ تجده يستقبل سؤالك برحابة صدر، ويصيّر السؤال العادي الذي لا يستحقّ أن يطرح في نظر البعض، سؤالًا ناضجًا ورائعًا، بل يشجع ُصاحبه على طرحه بدون تردد.

ذات مرة سأل أحد طلبة العلوم الدينية:

شيخنا .. كيف أقرأ الصحف والمجلات؟ وكيف أستفيد منها؟،وكان سؤاله ذاك بعد أن دار حديثٌ للشيخ مع مجموعة من روّاد المجلس أشير فيه إلى أمور كانت نشرت في الصحف المحلية.

بعض الحضور كان موجودًا في المجلس..

قرأت ُوقرأ غيري في وجوههم التبسّم والاستغراب من السؤال؛ لأنّ مثل هذا السؤال يعد -للوهلة الأولى – في وجهة نظرهم ينبغي ألّا يطرح؛ لبداهته.

لكن نرى الشيخ الفضلي، عليه الرحمة، وبكلّ احترام للسائل أجاب بقوله :

“سؤال جيّد ومهم”، ويجيب:

– “تتصفح عناوين الصحف والمجلات، وما تقع عليه عيناك من عناوين مهمة.

-حاول قراءتها بدقة، فإن وجدتها مفيدة ومهمة بالنسبة لك، فقم بقصّها من الصحيفة أو المجلة.

– اكتبِ اسم المجلة أو الصحيفة على المادة التي قمت بقصّها، ودوّن تاريخها، ورقم عددها، واحفظها عندك في ملف.

فربما تحتاج هذه المادة الثقافية لمحاضرة تلقيها، أو تستعين بها في بحث تكتبه مستقبلًا”. وبعدها أخذ يذكر أهمية القراءة ، وكيف أصبحت تخصصًا وحقلا معرفيًا ، وأشار إلى بعض المدارس في القراءة ، واسترسل في الحديث عن ذلك ، نعم لقد حوّل إجابة سؤال ذلك العادي إلى موضوع ذي قيمة علمية ، أفاد منها جميع الحاضرين .

– كما سُئل ذات مرة:

*كيف تُقرأ الكتب الكبيرة؟*

فأجاب:

-“يُقسّمُ فصولُ الكتابِ على مجموعة من الأصدقاء مثلًا، كلّ واحدٍ يقرأ فصلًا من فصول الكتاب الذي اختاروه، ويستوعبوه جيّدًا، ثم يقوم كلّ واحد منهم بتلخيص الفصل الذي قرأهُ ..

– وبعد ذلك تحدد المجموعة وقتًا لعرض الكتاب، يَعرضُ فيه كلّ قارئ الفصل الذي قرأه، فيصبح بهذه الطريقة، كأنّ الجميع قد قرأ الكتاب كاملًا، واستوعبه”.

– وسألتُه ذات مرة:

شيخنا .. هل تقرأ وتكتب كلّ يوم؟

أجاب:

نعم، فأنا مشغول يوميًّا بالقراءة والكتابة.

أعدت عليه السؤال بصيغة أخرى: شيخنا، ما شعورك إذا لم تقرأ ولم تكتب كلّ يوم؟!

تبسّم قائلًا:

“يصيبني صداع شديد” !!!

سألناه ذات مرة:

في أيّ شيءٍ تكتب هذه الأيام شيخنا؟

أجاب برحابة صدر:

“ما زلتُ مشغولًا بالكتابة عن معاملات البنوك التجارية، وقد أتعبني هذا البحث كثيرًا .. فهو يحتاج مني الجهد الكبير حتى إنني أذهب إلى البنوك وألتقي بمديري بعض فروع البنوك المحلية، وأطّلع على بعض المعاملات البنكية، ونماذجها..

وأضاف قائلًا:

“بعض الأحيان أضطر للسّفر للاطّلاع على رأي فقهي لاستكمال هذا البحث ..

فقد سافرت في إحدى المرّات مع أحد أولادي إلى اليمن لاقتناء كتاب يحوي رأيًا فقهيًّا لأحد علماء الزيدية المعاصرين في المعاملات البنكية”

وبعد طباعة الكتاب تبيّن أنّ الرأي الذي يبحثُ عنه علامتنا الفضلي، رضوان الله عليه، هو للقاضي الشيخ يحيى يحيى علي الدار، رئيس محكمة استئناف محافظتي صنعاء والجوف في خصوص المعاملات البنكية والربوية بشكل خاصّ.

فالكِتابُ والكتابةُ -قارئي العزيز- عشقُ العلامة الفضلي.

سمعتُهُ مرةً يقول: إنني متوقفُ عن الكتابة في أبحاثي الخاصة، وأستشكل (أرى في إكمالها إشكالًا شرعيًّا!!!)؛ لأنّ عندي ّ دراسات وكتبًا كثيرة لمؤلفين وكُتّابٍ تحتاج مني للتقديم والمراجعة وهم ينتظرون أن أنجزها لهم!!

فقد بلغت الدراسات التي قَدَّمَ لها شيخنا الفضلي ١٣٠ دراسةً.

فالعلامة الفضلي- عليه الرحمة- يؤثر الآخرين بوقته على حساب أعماله البحثية الخاصة، وهذا ما لا تجده إلّا نادرًا.

عرض صديقي الأستاذ حسين الشيخ في إحدى زيارتنا له أن يصفّ له كتابًا بالكمبيوتر، فقال الشيخ عليه الرحمة بكلّ لطف وأدب رفيعين:

لديك- يا أبا علي- أبحاثك وكتاباتُك وأشغالك الخاصة وتحتاج منك وقتًا طويلًا فهي أولى من أبحاثي وكتبي!!!

وها هو يحكي للأستاذ الشيخ ارتباطه الوثيق بالمكتبات في النجف الأشرف قائلًا:

“كنتُ أقضي أكثرَ وقتي في المكتبات، ومنها مكتبة الشيخ كاشف الغطاء، ومكتبة الحسينية الشوشترية، ومكتبة أمير المؤمنين عليه السلام” [الدكتور عبدالهادي الفضلي، تأريخ ووثائق، ص٩٩].

ويتحدث عن ارتباطه بمكتبات مصر عندما ابتُعث من قبل جامعة الملك عبدالعزيز بجدة لمرحلة الدكتوراه:

*”كنتُ أقضي معظم وقتي في مكتبات جامعة القاهرة، وجامعة الأزهر، ودار الكتب المصرية، ومعهد المخطوطات العربية”.* [الدكتور عبدالهادي الفضلي، تأريخ ووثائق، ص١٣٨].

ولموسوعيته الثقافية، فقد نال ثقة كبار العلماء، فضلًا عن الكُتّاب والمثقفين، والأكاديميين.

فنجد بعض العلماء مثلًا يطلب منه أن يزوّده ببعض الكتب المهمة التي يحتاج إليها درسه الحوزوي، كالمرجع الكبير الإمام الخوئي، قدّس سرّه أثناء إلقائه درس التفسير..، الذي كان نتاجه الكتاب القيّم (البيان في تفسير القرآن).

ويظهر ذلك جليًّا من إجابته عن سؤال الأستاذ حسين منصور الشيخ في كتابه (الدكتور عبدالهادي الفضلي تأريخ ووثائق، ص١٠٦):

“ما أتذكره أنه كان لكم علاقة فيما كان يلقيه السيد الخوئي، رحمه الله، في دروسه حول تفسير القرآن، فقد كنتم تزودونه ببعض مصادر التفسير للمذاهب والفرق الإسلامية الأخرى، هل هذا الأمر دقيق؟

أجاب:

كان ذلك بطلب منه، وقد جمعتُ له المصادر المتوفرة، ولم أكن أحضر الدرس”.

ونجد البعض الآخر من العلماء، يطلب منه أن يطّلع على ما كتب، وأن يبدي ملاحظاته، ويظهر هذا جليًّا من رسالة بعثها المرجع الديني، السيد الشهيد محمد باقر الصدر، عليه الرحمة، عندما كتب رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) للعلامة الفضلي يقول فيها:

“نرجو أن تطالعوا الفتاوى الواضحة، وتتفضّلوا بإبداء ملاحظاتكم من ناحية التعبير أو المنهج؛ لكي نأخذها بعين الاعتبار في الطبعة الثانية إن شاء الله”.

وقد سمعت في مجلسه المبارك في إحدى الأُمسيات أنّ المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني، حفظه الله، طلب منه أيضًا أن يراجع كتابًا له في أصول الفقه .. ويبدي ملاحظاته،

وللتأكد من هذه المعلومة تواصلت مع صديقنا العزيز الشيخ عبدالغني العرفات من أهالي القديح -وفقه الله – وهو في النجف الأشرف لإكمال مشواره العلمي ، فأكد لي المعلومة قائلًا:

“أعطاني الشيخ جعفر السبحاني، نسخة من كتابه (الموجز في أصول الفقه) في إحدى زياراتي له في بيته في قم المقدسة، وطلب مني أن أوصل الكتاب للعلامة الشيخ الفضلي لإبداء الملاحظات ..

“أعطيتُ الشيخ الفضلي الكتاب، فامتنع عن المراجعة قائلًا:

الشيخ السبحاني من أهل الفنّ، فلا يحتاج لمراجعتي!”.

ثم أردف الشيخ العرفات قائلًا:” ولشدة حرص الشيخ السبحاني على مراجعة الشيخ الفضلي لكتابه، اتصل عليَّ من قم هاتفيًّا يسألني:

هل أوصلت الكتاب للشيخ الفضلي؟

وهل تمت مراجعته؟!

“ولما ذهبت الى إيران لامني الشيخ السبحاني- بلطف وظرافة- على عدم الوفاء بالوعد”.

وأضاف الشيخ العرفات قائلًا:

“مشيت مع الشيخ السبحاني مرة من المرات في برنامجه المشي (رياضة) في باحة جامعة الأردبيلي- بقم المقدسة- وكنا نتحدث عن الشيخ الفضلي، فيسألني وأحيبه عن مؤلفاته ومآثره ، فقال لي:

إذًا أنت أمام بحر”.

وعلى الرغم من كثرة أعماله الثقافية والبحثية المتنوعة، تجده مشجّعًا الأنشطة الثقافية والدينية في المنطقة، وبخاصةٍ المحاضرات والندوات الثقافية التي كان له الدور الكبير في انطلاقتها وتطويرها.

وكان لمسابقة البحوث التي انطلقت في مساجد القطيف في تلكم الحقبة المباركة نصيبٌ كبير من اهتمامه، والتي شجعت الكثيرين على الكتابة والبحث، حيث كان -رضوان الله عليه- مُحكّمًا فيها، وكانت لبلدتي القديح نصيبٌ منها أيضًا.

هكذا هي حياة العلماء العاملين، معين لا ينضب في خدمة الأمم والمجتمعات.

رحم الله علامتنا الشيخ الفضلي، وحشره مع المعصومين عليهم السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open