الرئيسية / مقالات / درة التاج من شعر ابن الحجاج .. ناظم أبيات “يا صاحب القبة البيضاء”

درة التاج من شعر ابن الحجاج .. ناظم أبيات “يا صاحب القبة البيضاء”

كتاب في مقالة (3)
رضي الحصار

☆● سلسلة كتاب في مقالة ●☆

          《 2018 ……. 3 》

● اسم الكتاب : درة التاج من شعر ابن الحجاج .

● المؤلف : هبة الله بديع الزمان الاسطرلابي .

● تحقيق : د. علي جواد الطاهر .

● الناشر : منشورات الجمل – ألمانيا

● الطبعة : الأولى 2009

● عدد الصفحات : 684

           ☆●☆●☆●☆●☆

1. يا صاحب القبة البيضاء في النجف من زار قبرك واستشفى لديك شفي

2. زوروا أبا الحسن الهادي لعلكم تحظون بالأجر والإقبال والزلفِ

3. زوروا لمن تُسمع النجوى لديه فمن يزرهُ بالقبر ملهوفاً لديه كُفي

4. بحب حيدرة الكرار مفتخري به شرفت و هذا منتهى شرفي

لطالما كنا نسمع هذه الأبيات وغيرها على ألسنة الخطباء ، ويتكرر على مسامعنا اسم ناظمها ” الحسين ابن الحجاج ” دون أن نعرف أحواله وما يشتاقه المستمع لمعرفة المزيد عن صاحب هذه القصيدة الرائعة والذائعة الشهرة بين الناس ، حتى طبع في الآوانة الأخيرة ” درة التاج ” بعد أن بقي أكثر من خمسين عاما حبيس الأدراج ، وامتنعت دور النشر عن طبعه ، بل كادت حرب لبنان الأخيرة 2006 أن تذهب على ما تبقى من نسخ الديوان المخطوطة المحققة.

اسم شاعرنا هو : أبوعبدالله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد ، واشتهر بابن الحجاج . نشأ في أسرة من الكتاب ببغداد . اتصل أول أمره بأبي إسحاق الصابي الذي عني به وقدمه ، ثم اتصل بالبوزير المهلبي في عصر الدولة البويهية . وتقلد فيها منصب ” المحتسب ” على عهد السلطان البويهي عزالدين بختيار ، كما حصل على جوائز من عضد الدولة . فامتلك المساكن الفارهة والبساتين والضيع حتى آخر عمره ، حيث توفي سنة 391هج ، ودفن عند قدمي الإمام الكاظم عليه السلام حسب وصيته ، وأمر أن يكتب على قبره ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) . خلف ابن الحجاج وراءه ديوانا ضخما في عشرة مجلدات ، وأشار بروكلمان إلى أن نسخة من الديوان بأكمله توجد في بغداد ، وأشار المحقق “الطاهر ” أنه علم بوجودها متروكة مهملة في مكتبة الأوقاف ( المغلقة ) !! . كما توجد مجلدات متفرقة من ديوانه في البلدان لا تشكل بمجموعها الديوان الكامل .

ذاعت شهرة ابن الحجاج حتى وصلت الأندلس وفارس ، وأكب الناس على نسخ ديوانه وبيعه حتى قال الثعلبي :” بلغني أن كثيرا ما بيع ديوان شعره بخمسين دينارا إلى سبعين ” + القيمة المضافة . ويقول هلال الصابي : ” إن شعره كان يلقى إقبالا في كل البلدان ” ، بل إن اللغوي أبو العلاء بن صاعد الأندلسي قد سمع قصائد الديوان من فم صاحبها نفسه ، ونقلها إلى بلده “. وكتب ابن الأثير عنه ” إن هذا الديوان مشهور ” ، حتى أن تقيا مثل أبي شجاع السهروردي المتوفى سنة 507 هج قام بنسخ قصائد ابن الحجاج سبع مرات . فما سر شهرة ديوانه وإقبال الناس عليه ؟

ابن الحجاج شاعر مطبوع ، يجري الشعر على لسانه سليقة ، وهو في شعره قسمان : الأول شاعر تقليدي يدرج مدارج الشعراء الأوائل ، فيبدو في شعره مهذبا عاقلا رصينا ، حتى يذهب الاسطرلابي جامع ” درة التاج ” إلى حد القول أن ابن الحجاج لم يكن أقل أهمية من أبي تمام والبحتري … ولتأكيد ما ذهب إليه يشير إلى أن الشريف الرضي احتفى بشعر ابن الحجاج . وأما القسم الثاني فهو شعر ” السخف ” . وهذه الكلمة تدحرج معناها حتى استقرت في زمن الشاعر كمصطلح للدلالة على ” الشعر المتضمن الفحش من القول وغلبة شعر الهزل ” ، وبه عرف الشاعر لدى الأوساط الأدبية ، حتى أصبح في زمنه متربعا على عرشه ولا يجاريه حتى خصمه ومعاصره ” ابن سكرة ” . غير أن شخصية ابن الحجاج العامة مناقضة لشعره ، فهذا ابن العميد زار بغداد لمساندة السلطان عزالدين بختيار ، واستضافه ابن الحجاج وأثار دهشته التناقض بين تفحش الرجل في شعره ودماثته كإنسان ، فعبر عن استغرابه على ما ينقله أبوحيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة ” .. والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك ، وأن ذلك الديوان لك ..”.

” درة التاج من شعر ابن الحجاج ” هذا ليس الديوان الكامل لابن الحجاج ، بل هو انتخاب منه ، قام به هبة الله بديع الزمان الأسطرلابي سنة 559 هج أي بعد 25 عاما من وفاة ابن الحجاج . وليس الاسطرلابي فقط من انتخب قسما من الديوان الكبير ، بل قام بذلك غيره ، منه الموجود الذي طبع ومنه المفقود . أما المطبوع منها درة التاج ، و” تلطيف المزاج من شعر ابن الحجاج ” لابن نباته ، وطبع في تونس 2001 بدار المعارف . كما يذكر صاحب كتاب ( الشريف الرضي – دراسة في عصره وشعره ) أن الشريف الرضي وهو معاصر له ، بل كان صديقا لابن الحجاج قد قام بانتخاب من ديوانه في حياة ابن الحجاج ورتبه على حروف المعجم ، ونشره في حياته ، اسماه ( الحسن من شعر الحسين ) فحفظ ابن الحجاج صنيع الشريف فسجله في بشعر قال فيه :

1 – أتعرف شعري إلى من ضوى

فأضحى على ملكه يحتوي

2- إلى البدر حسنا ، إلى سيدي

الشريف أبي الحسن الموسوي

 وقد رثاه الشريف الرضي في شبابه في غرة الثلاثين من عمره بأبيات هي :

1- نعوه على حسن ظني به

فلله ماذا نعى الناعيان

2- رضيع ولاء له شعبة

من القلب مثل رضيع اللبان

3- وما كنت أحسب أن الزمان

يفل مضارب ذاك اللسان

4- بكيت للشرد السائرات

تعنق ألفاظها بالمعاني

5- ليبك الزمان طويلا عليك

فقد كنت خفة روح الزمان

وينقل محقق درة التاج الطاهر رأيا ينسبه للشريف المرتضى مفاده ، أن الشريف ” اعتبر أنه مابين امرئ القيس وابن الحجاج ليس هناك شاعر يبلغ شأوهما ” !!! ولم يذكر المحقق سبب هذا القول او الحيثية التي رفع ابن الحجاج إلى هذا المقام ! فقد عاصر ابن الحجاج جملة من كبار شعراء الطبقة الأولى من مثل المتنبي وابي العلاء المعري والشريف الرضي ، بل وهجا المتنبي عندما امتنع من مدح الوزير المهلبي.

درس محقق الكتاب شخصية ابن الحجاج فخرج باستنتاج أنها شخصية ” مزدوجة ” بين شخصية الشاعر الهازل المرح والظريف والذي يتنزل في شعره إلى حد تحسبه نثرا من كلام العامة ، لملامس حياتهم البسيطة ، وبين شخصية الإنسان الدمث الأخلاق الذي يتقلد منصبا خطيرا في الدولة كمحتسب ، وهو يعاكس كلية شخصيته الشعرية ! لقد كان ابن الحجاج رغم خدمه الكثر في منزله الفخم تجده يلازم أهله وبنيه ويرعاهم بكل ما للأبوة من حنان . لقد صدق وصف الشريف الرضي عليه فهو ( خفة روح الزمان ) الذي يرسم على الشفاه البسمة بل الضحك حد القهقهة.

■ الكتاب …

الأدب بوجه عام متشعب الوجوه والفوائد ، وينتفع الإنسان منه بالمقدار والجهة التي يرسمها للانتفاع منه . فالبعض يفضل الشعر ، والبعض يستمتع باللغة والأمثال ، وهكذا دواليك . قيمة الأدب الشعري أنه منجم ضخم من الفوائد ، ومن المستشرقين من يحسد العرب على هذا التراث الكبير والعظيم . فعبر الشعر يمكنك دراسة المكون الفكري لزمن الشاعر ، فالشاعر كما يقال صورة زمنه ، فشعره أشبه بالوثيقة التي تحتضن بين جوانبها خصائص زمنه الفكري ، ومسار تطور اللغة أو تراجعها ، فبالإمكان استخراج معجم كامل لمفردات من ديوان شاعرنا ابن الحجاج تمكن الباحثين اللغويين من دراستها واستخراج نتائج جمة منها . كما أن دارسوا السياسة وعلم الاجتماع السياسي باستطاعتهم معرفة ما يجري خلف الأبواب المغلقة لما يجري من تنافس ومكائد بين الوزراء وماذا يحاك في الخفاء ، وبيان الحياة السرية في قصور سلاطين تلك الأزمان وجوانب الضعف في قصور الحكم ، وغيرها من الفوائد الكثيرة . إن الكتاب من هذا الباب يعد تحفة روح الزمان.

  

رضي الحصار 2018/1/14

         1439/4/27

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open