الرئيسية / منوعات / “أنا متصل دائما”.. هكذا تدمر وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا

“أنا متصل دائما”.. هكذا تدمر وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا

القديح 24

هل تخشى أن تترك “منعزلًا” عن العالم من حولك، لذا تتابع حساباتك على “فيسبوك” و”تويتر” وبقية مواقع التواصل الاجتماعي باستمرار لتبقى متواصلًا مع العالم؟

هذه الظاهرة أصبحت من متلازمات العصر الحديث واستخدام التكنولوجيا أو ظاهرة “fomo” “fear of missing out” وتعني “الخوف من فوات الأشياء (الأخبار ومستجدات الأحداث)”.

فالشخص يخاف باستمرار من أن يترك وحيدًا بينما تقع الأحداث من حوله دون أن يعلم بها في وقت حدوثها، لذا “يدمن” وسائل التواصل الاجتماعي.

تأهيل للمدمنين!!

كما أن اعتماد الكثير من الناس على ترتيب أمورهم الحياتية اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي يجعل متابعتها أمرا حيويا للكثير منهم.

ويختلف تقدير الدراسات لنسبة من يعانون من الـfomo  ولكن غالبية التقديرات تشير إلى أن 56-70% من مستخدمي التواصل الاجتماعي يعانون منها.

وتتسبب ظاهرة “فومو” في زيادة التوتر والاضطرابات، لا سيما بين الشباب، بل وقد تؤدي في بعض الحالات إلى العنف.

وتم رصد أكثر من حالة وصل بها الأمر إلى دخول مصحات تأهيل نفسي من أجل البعد عن مواقع التواصل الاجتماعي والانعزال عنها بما يشبه ما يحدث لمدمني المخدرات.

فهناك شاب أمريكي يدعى “ديفيد” عانى من اضطرابات عنيفة في النوم بسبب رغبته الملحة في متابعة كل ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي.

وانتهى الأمر بـ”ديفيد” بالإصابة بانهيار عصبي تام وفقدان للرغبة في تناول الطعام والحديث مع الغير.

ولم يستطع “ديفيد” منع نفسه من متابعة مواقع التواصل لأكثر من 14 ساعة قضاها في المصحة، قبل أن يحاول التسلل إلى أي مكتب يحتوي على جهاز كمبيوتر لمتابعة ما يحدث من حوله.

وفي كوريا الجنوبية تم الحكم على زوجين بالسجن بسبب تركهما لرضيعهما بلا تغذية ورعاية مناسبة بما أدى لتدهور تدريجي لصحته حتى مات بسبب انشغالهما الدائم بمتابعة مواقع التواصل.

وحيدون معًا!!

ولعل كتاب الباحثة “شيرل تاركل” “وحيدون معًا” أحد أبرز الكتب في هذا المجال لأنه  يتناول وبكثافة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي النفسي على مستخدميها.

وتقول تاركل إن مواقع التواصل الاجتماعي تجعل الاتصال بالناس سهلًا، لكنها تجعل تجنبهم أسهل أيضًا بما يقود الإنسان للمزيد من العزلة.

والأخطر، أن تلك المواقع تحول دون التواصل مع الأشخاص الحقيقيين، وتجعلك متصلًا مع “تجسيد غير حقيقي” لهم، أو نماذج وهمية.

وتقول المؤلفة : “ببساطة ما حدث أننا أصبحنا نتوقع الكثير من التكنولوجيا والقليل من بعضنا البعض، وبالتالي أصبحنا نعتمد عليها”.

وقامت هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” برصد تجربة لحرمان المراهقين من مواقع التواصل الاجتماعي في بريطانيا.

ويشير غالبية الطلاب إلى أنهم اكتشفوا أن “هناك أشياء أخرى في العالم” خلافًا لتضييع أوقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

ويقول أحد الطلاب المشاركين في التجربة “اليوم الأول كان صعبًا للغاية، أحسست أنني وحيدا ولم يكن هناك ما يمكن عمله بالوقت المتاح”.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل تؤدي ظاهرة “فومو” إلى تنامي الشعور بعدم الرضا، حيث إن الناس يميلون إلى مقارنة أنفسهم بغيرهم ممن يرونهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

“كنت أشعر بالرضا عن حياتي بشكل كامل، فأنا شابة جميلة في الـ28 من العمر وأعمل عملًا مرموقًا، لكن “فيسبوك” غيّر كل ذلك”.

هذا ما تقوله شابة أمريكية تؤكد أن رؤيتها لصور فتيات أجمل على موقع التواصل الأشهر ويعملن في وظائف أفضل جعلتها تفقد شعورها بالرضا تدريجيًا، حتى أصبحت “ساخطة” تمامًا.

واقع زائف!!

وفي أيرلندا على سبيل المثال، اشارت دراسة نفسية إلى أن 90% من مستخدمي “فيسبوك” يتفقدونه بمجرد استيقاظهم، و87% في المواصلات العامة، و84% أثناء مشاهدة التلفاز.

وتقول مجلة فوربس الأمريكية إن الأزمة في مواقع التواصل الاجتماعي تتمثل في إنشائها “واقعًا وهميًا” للناس عن حياة الآخرين، فهم يرون حياتهم أغلب الوقت مثالية.

وحتى إن قام الإنسان بتصدير نفس الصورة عن حياته على مواقع التواصل إلا أنه يعلم في قرارة نفسه أن حياته ليست بتلك المثالية التي يظهرها، بينما لا يعلم الأمر نفسه –يقينًا- عن الآخرين.

وأقر قاموس أكسفورد في عام 2013 “fomo” كتعبير رسمي عن الظاهرة واعتبره مصطلحًا علميًا بما يعكس تأثيره المتنامي الواضح.

ويزداد الأثر من ظاهرة “فومو” مع الأجيال الأصغر سناً، “هناك جيل عرف التواصل الإنساني المباشر وما زال يقدره ولو نسبيًا بينما الأحدث سنًا لم يختبره الكثيرون منهم”.. بحسب دراسة لجامعة أكسفورد.

فالكثير من الأجيال أصغر سنًا تقول “ليس لدي وقت لأصدقائي إلا إذا كانوا متاحين على مواقع التواصل (online)، فهناك أبحث عنهم وأتواصل معهم”.

أين المفر؟!

وعند الشعور بالاعتماد الزائد على مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا تقترح “تاركل” مؤلفة كتاب “وحيدون معا” عددًا من الأفكار والتصرفات التي تساعد على علاج سلبيات “فومو”.

– تذكر باستمرار أن وقتك ليس بلا نهاية وأن ما تبدده على وسائل التواصل لا يعود إليك مجددًا.

– اسأل نفسك، هل فعلًا أحصل على شيء مفيد ويستحق التواجد المكثف بهذا الشكل على مواقع التواصل الاجتماعي أم أن الأمر “هوس نفسي” فحسب”.

– حاول تخصيص وقت يومي محدد للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي.

– تجنب استخدامها فور استيقاظك وفي المواصلات العامة فهذا يزيد من إحساسك بأنه لا يمكن الاستغناء عنها.

– حاول أن تحمل كتابًا معك باستمرار، فهذا بديل أفضل من قضاء الأوقات على وسائل التواصل الاجتماعي.

– اقترب بدرجة أكبر من هؤلاء الذين يفضلون الخروج في العطلات بدلًا من قضائها أمام الحاسوب.

– ابتعد من وقت لآخر عن تلك المواقع لأيام، سيدهشك اكتشاف أنك لم تفقد الكثير من حياتك، ويمكنك رؤية أو مكالمة من تريد التواصل معهم.

– تقبل حقيقة أنك لن تحظى بكل شيء في العالم سواء الأخبار عامة أو الشخصية متعلقة بمعارفك وأصدقائك.

وتبقى الإشارة إلى الإشكالية غير المعلومة للكثيرين من المصابين بـ”فومو” أنهم إما لا يعرفون أنهم مصابون به، أو ينكرون ذلك، وهذا ما يفسد عليهم أي فرصة لتلافي آثاره.

وتقول تاركل : “الغالبية لا يعترفون أصلًا بوجود مشكلة رغم إحساسهم الشديد بها، وكيف تحل مشكلة لا تعترف بوجودها من الأساس”.

ويرى علم الأحياء أن الإنسان من الكائنات التي تعيش مع بعضها البعض (أو في قطعان وفقًا للتعبير العلمي).

لذا تبقى الحاجة ملحة للاتصال ببعضنا البعض، لكن العبرة دائمًا في تلبية تلك الحاجة بما يفيدنا وليس بما يضرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open