الرئيسية / مقالات / مسألة أصل اللغات

مسألة أصل اللغات

كتاب في مقالة (4)
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

● اسم الكتاب : مسألة أصل اللغات .

● المؤلف : سيلفات أورو

● ترجمة : د. ناديا العمري

● الناشر : الكتاب الجديد

● الطبعة : الأولى 2013

● عدد الصفحات : 206

     ☆●☆●☆●☆●☆●☆

     لعل من المسائل الصعبة القديمة الجديدة التي لا يزال اﻹنسان يبحث لها عن حل هي مسألة أصل اللغات . وقد تنوعت الدوافع التي بحث بها اﻹنسان هذه المسألة ، فمنهم اللاهوتي الذي يعتمد على النصوص المقدسة ، ومنهم اللاديني والذي يعتمد في بحثه مختلف المناهج العلمية من لسانيات وأنثربولوجيا وأركيولوجيا وبيولوجيا … وغيرها ، التي لا تخضع للاهوت ومناهجه المتبعة في معالجة هذه المسألة.

انطلقت المسألة من أسطورة سفر التكوين عندما تدخل ( يهوه ) اﻹله كما يذكرها الكتاب المقدس ، من خشيته أن يصبح الناس يملكون لغة واحدة ، ومجتمعين في مكان واحد أقوياء !!

“” لتنزل هنا ، لنخلط لغتهم ؛ حتى لا يفهموا لغة بعضهم بعضا “”.

غير أن سفر التكوين يعرض أيضا أن اﻹله ( يهوه ) أعطى آدم حرية تسمية اﻷنعام والطيور وكل حيوان في الحقل .

إن تأثير الدين في البحوث اللغوية في الغرب المسيحي انطلق في أوربا منذ عهد اﻹغريق والرومان ، واستمر في العصور الوسطى وعصر النهضة وما بعده ليصل حتى أواخر القرن التاسع عشر . كان منشغلا بالبحث عن أصل هذه اﻷسطورة الرمزية الموجودة في سفر التكوين . وانهمك الباحثون في تحديد ما هي اللغة التي تحدث بها آدم ، ولما فشلوا في ذلك حولوا اهتمامهم للبحث عن أقدم لغة عرفها اﻹنسان .

وفي المقابل لم يهتم اليونانيون قط بهذه المسألة ، إذ لا توجد لديهم فيما يملكون من تراث أسطوري كثير أي أسطورة تتعلق بأصل اللغات في الميثولوجيا . وفي محاورة ﻷفلاطون مناظرة فلسفية بين سقراط ومحدثيه حول انطباق اﻷسماء على مسمياتها ، فينتهي فيها سقراط إلى افتراض ما يسميه (مطلق اﻷسماء ) الذي يصمم اللغة بناء على غرض معين ، فاللغة عنده وظيفية . وهي عند أفلاطون ظاهرة طبيعية لا شأن للإنسان في وجودها .فاﻷسماء ليست رموزا مجردة ، ولكنها جزءا لا يتجزأ من جوهر اﻹنسان . ونجد الفيلسوف هيراقليطس في القرن الخامس قبل الميلاد يقول : إن اللغة وحي السماء !

غير أن هناك اتجاه آخر يرى أن اللغة اصطلاح واتفاق بين البشر ، وأبرز القائلين بهذا المذهب أرسطو . فاللغة عنده رابطة اجتماعية ، وسبقه إلى هذا القول الفيلسوف ديموقريطس.

هذا ما كان في المدارس العلمية القديمة ، وأما في البحوث والدراسات الحديثة في العقود الأخيرة بناء على التراكمات الكمية والكيفية لعدد من العلوم فظهرت عدة اتجاهات ، وقدمت نظريات حول هذه المسألة.

الدراسات الانثربولوجيا تذهب إلى أن ظهور اللغة كان في مرحلة متأخرة من تاريخ الجنس البشري . وهي المرحلة التي ظهر فيها( اﻹنسان العاقل ). فقد لاحظ علماء الانثربولوجيا أن عصر ( اﻹنسان الماهر) المسمى في مصطلحهم إنسان ( نياندرتال ) والذي عاش منذ 100 ألف سنة ، كان غير قادر على الكلام ؛ ﻷن موضع الحنجرة كون حاجزا لتشكل الكلام عنده. ومن قبله من قبل ملايين السنيين عندما ظهر الجنس البشري المسمى ( Homo ) وكان أقرب إلى الحيوان منه إلى اﻹنسان . وكان نباتيا وعبر عصور من الزمن الطويل جاءت الخطوة اﻷساسية التي أدت إلى نشوء اللغة . وهي انتقاله إلى كائن ( لاحم ) حين تعددت مصادر غذائه ، وأصبح يعتمد على الصيد . فالتغير في نمط التغذية شكل خطوة هامة أدت إلى بداية تشكل حياة اجتماعية ، خلقت ضرورة الإعتماد على اللغة كوسيلة ملحة للحفاظ على الكيان الإجتماعي . لقد كان هناك تزامن بين بدايات الجنس البشري والهجرات نحو مواطن عديدة . وإذا كانت اﻷصوات اﻷولى همهمات أو تمتمات أو صرخات التي أصدرها اﻹنسان تتحسن أكثر فأكثر عبر الزمن تتشكل في وحدات صوتية منتظمة ، ثم إلى تركيبات واضحة .

هذا التطور يحتاج إلى زمن طويل جدا ، فهو لم يصل إلى مستوى من التعبير بالكلام البشري المتعارف عليه اﻵن إلا بعد هذه الهجرات ، مما يفرض أن هذه الصيرورة والتطور جرى في أماكن مختلفة من العالم . فتنوعت الظواهر الصوتية المعبرة عن المحيط المتنوع والطبيعة وأصواتها والحيوانات والنباتات .كما تنوعت أول أشكال التنظيم الاجتماعي ؛ وبالتالي تنوعت اللغات اﻷولى نفسها . فالعلاقة وثيقة بين اللغات والتنظيمات الاجتماعية التي ولدت ضمنها . ( فالتعدد اللغوي قد يكون هو أصل اللغات البشرية ) مما يناقض فرضية أحادية اﻷصل التي شغلت المفكرين والباحثين على مر الصور .

         ** تقييم الكتاب **

الكتاب بشكل جيد ، ولكنه مقتضب إلى حد يستعصي فهم المراد في بعض الفصول ؛ لعل الترجمة لها دور في ذلك . وكذلك هو مثقل بالحواشي من أوله إلى آخره ، مما يزعج في قراءته وإن كان الموضوع شيقا .

نظرية تعدد اللغات لعلها أبرز ما خرجت به من فوائد من هذا الكتاب ، وإن كان لا يخلو من فوائد أخرى آثرت الاقتصار على ما عرضت ؛ بغية الاختصار.

                 رضي الحصار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open