الرئيسية / مقالات / مستقبل التفسير الموضوعي (5)

مستقبل التفسير الموضوعي (5)

الشيخ عبد الغني العرفات

سنتناول هنا نظرة الشيخ مصباح اليزدي حول مناهج تبويب الآيات، فلو افترضنا أننا قمنا بدراسة القرآن بأكمله واستخرجنا مفاهيمه وأدخلناها تحت مئة عنوان مثلا، فكيف ننظم هذه العناوين لنحصل على نظام واحد منسجم ومترابط يتمتع بنقطة بدء منطقية.
يذكر الشيخ المصباح ثلاثة مناهج ثم يختار أفضلها حسب رأيه.
المنهج الأول: مضمون الدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام (١- العقائد ٢- الأخلاق ٣- الأحكام) ولكن هذا التقسيم عيه بعض الإشكالات، منها : هناك قسم من الآيات لا يندرج تحت أي قسم من هذه الأقسام فهناك قصص الأنبياء وتاريخهم والقصة ليست هذا ولا ذاك بل القصة قسم قائم بذاته وإذا قمنا بتقطيع القصة جملة جملة فإنها لن تبقى تلك القصة، فإذا أراد الإنسان معرفة رأي القرآن بالنسبة إلى أصحاب الكهف مثلا فإلى أي قسم يرجع فهل يرجع إلى قسم الأخلاق أو الأحكام أو العقائد. وإشكال آخر يطرح هنا وهو أنه لا توجد علاقة واضحة بين هذه الأقسام الثلاثة، ولا بد من تكلف هذه العلاقة.

المنهج الثاني: أن القرآن جاء لهداية الإنسان، فلا بد أن يكون الإنسان هو محور التبويب.
ولكن عندما نتعمق في مفاهيم القرآن نجد أن اعتبار الإنسان محورا أمر غير مرغوب فيه، لأننا نلاحظ أن جميع مفاهيم القرآن من عقائد وأخلاق ومواعظ وقصص وتشريعات لها جميعا محور واحد وهو الله تعالى، هذا بالإضافة إلى أن الأبعاد الوجودية للإنسان مبهمة ولا أحد يعرف ما هو عدد أبعاد الإنسان حتى نقوم بتبويب الآيات بحسبها ويبدو أيضا أنه لا يوجد ارتباط واضح بين الأبعاد الوجودية للإنسان إلا ما نفهمه فيما بعد من القرآن .

المنهج الثالث: هو الذي يعتبر ( الله) هو المحور ثم يقوم بالتقسيم، ولا يجعل الأقسام في عرض بعضها بل يجعلها في طول بعض، أي يجعل معارف القرآن كالنهر الجاري أو عين متدفقة لها نقطة بداية هو الله تعالى ثم تنحدر من منبع الفيض الإلهي فتروي وتطفئ ظمأ كل شيء تصادفه في طريقها، وعندما ترتوي المرحلة الأولى تفيض وتتدفق على المرحلة الثانية وهكذا دواليك ( معارف القرآن ص ١٥).
وفي هذا التقسيم الذي اختاره الشيخ المصباح هناك ترتيب منطقي بين أقسامه، ومن الطبيعي أن يكون للموضوع السابق لون من التقدم على الموضوع اللاحق على العكس من التقسيمات السابقة التي كانت في عرض بعضها ( العقائد والأخلاق والأحكام) فمن منها الذي يقدم فإن تقديم موضوع على آخر يحتاج إلى تبيين وأحيانايحتاج إلى تكلف.
ثم أخذ بترتيب هذه المسائل : نبدأ أولا بمسائل معرفة الله، ثم أفعاله، ثم معرفة العالم، ثم معرفة الإنسان، ثم تربية الإنسان.
فلا بد من ترابط بين موضوعات القرآن وانسجامها. ويلتقي الشيخ المصباح مع ما طرحه الشيخ ناصر مكارم حيث ذكر أن هناك أنواعا من التفاسير:
١- تفسير المفردات : ككتاب مفردات الراغب الأصفهاني.
٢- التفسير الترتيبي
٣- التفسير الموضوعي
٤- التفسير الارتباطي
٥- التفسير العام أو النظرة الكونية للقرآن.
” والنوع الرابع والخامس من تفسير القرآن لم يحظيان باهتمام المفسرين بعد” ( نفحات القرآن ج١ ص ٧).
فلا يشك أحد من المفسرين أن لموضوعات القرآن ترابط وانسجام بحيث لا تتضارب ولا تتنافى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). نعم لم يشر السيد الشهيد الصدر في محاضرتيه عن التفسير الموضوعي للترابط بين نظريات القرآن، لكن هذا من نافلة القول فهو أول من أطلق أن الإسلام نظام حياة، وقد أشرنا في حديث سابق إلى أن اكتشافه للمذهب الاقتصادي في الإسلام نوع من التفسير الموضوعي وفق رأيه فبعد أن قرأ التجارب البشرية في الاقتصاد عرضها على القرآن فخرج بنظرية المذهب الاقتصادي، وهو يقول هناك وتحت عنوان ( الاقتصاد الإسلامي جزء من كل) : ” لا يجوز أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي بوصفه شيئا منفصلا وكيانا مذهبيا مستقلا عن سائر كيانات المذهب: الاجتماعية والسياسية الأخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة، التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع .. فمن الخطأ أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة أهميتها وأن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب” ( اقتصادنا /دار التعارف ط ١٤ ص ٣٠٩).
نعود لمحاولة الشيخ المصباح ونتصفح كتابه معارف القرآن الذي تناول فيه جزء من السلسلة الطولية التي اقترحها: ففي الجزء الأول تحدث عن معرفة الله وفي الجزء الثاني تحدث عن معرفة العالم، وسنتوقف عند معالجة الشيخ المصباح لكيفية تعامل القرآن مع العالم ( الطبيعة) فلم يتناول القرآن ذلك بصورة مستقلة ومباشرة بل تناول ذلك لغرض تربية الانسان بحيث ينظر إلى العالم من جهة كونه مخلوقا لله وتحت تدبيره ( معارف القرآن ج٢ ص ٤) ورد على عدة فئات:
١) من نسب للقرآن ومن دون دليل اكتشاف بعض المسائل العلمية فيزيائية أو كيميائية أو ..الخ.
٢) المتأثرين بالثقافة الغربية والآخذين بالتجربة والاستقراء والقائلين بأن القرآن رفض القياس المنطقي
٣) القائلين بأن القرآن يتبنى الفلسفة الوضعية
ولما كانت الآيات المتعلقة بالعالم والكون استطرادية ومغلفة بالابهام فلا بد أن نحتاط ونتورع دون أن نندفع في تفسيرها .. فإذا ظفرنا بآية تنطبق حسب قواعد المحاور على نظرية ( فلسفية كانت أو علمية أو ..) فيا حبذا هذا الوفاق.
والحقيقة أن الكتاب غني بمعالجاته القيمة حول السماء والأرض والعرش والكرسي والظواهر الأرضية كالجبال والأنهار والعيون والجن بما يكفي لإعطاء فكرة شاملة ومعمقة حول هذه المفردات . في تقديري أن الشيخ المصباح التزم بمنهج حيادي وموضوعي تجاه مختلف الأفكار المسبقة قبل ولوجه التفسير فرد بعض كلمات الفلاسفة مع أنه يصنف كأستاذ فلسفة ( انظر رده على فكرة عالم الخلق والأمر ص ٨).

تعليق واحد

  1. نذير حسن الدهان

    جميل جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open