الرئيسية / مقالات / التوراة ترجمة عربية عمرها أكثر من ألف عام

التوراة ترجمة عربية عمرها أكثر من ألف عام

بقلم: رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2018…..ا8

● اسم الكتاب : التوراة ترجمة عربية عمرها أكثر من ألف عام .

● تحقيق وتقديم : أ.د. سهيل زكار

● الناشر : دار قتيبة – سوريا

● الطبعة : الأولى – 2007

● عدد الصفحات : 535

☆●☆●☆●☆●☆●☆

من خلال عمله الدؤوب في التحقيق والتأليف والتدريس والإشراف على رسائل تلامذته من طلاب الدراسات العليا وطلبة الدكتوراة ، يدرك الدكتور سهيل زكار مدى قيمة هذه المخطوطة التي يقدمها للباحثين في دراسة الأديان والدراسات المقارنة في الجامعات العالمية . تأتي قيمتها الفعلية أن هذه النسخة من ( التوراة ) كتبت باللغة العربية وبها تعليقات شارحة لبعض المضامين التي ارتأى ناسخها أن يضمنها الكتاب بغية الإفادة للقارئ . وأما صاحب التعليقة فهو من علماء المسيحية الأرثوذكسية ، حيث يعتبر المسيحيون أن التوراة هي العهد القديم فيقدسونه كما يقدسون العهد الجديد الإنجيل .

ليس هناك من أخبار في كتب التاريخ والتراث العربي تدل على أن التوراة قد ترجمت أو كتب شيء منها بالعربية بخط المسند أو الجزم قبل الإسلام رغم تهود اليمن وكثير من القبائل العربية في يثرب وفدك ودومة الجندل وخيبر ، وغيرها من بلاد العرب . ويذكر لنا كتاب التاريخ أن أول ترجمة لأحد أسفار التوراة وهو ( سفر التثنية ) كانت على يد عبدالله بن عمرو بن العاص ، حيث تحصل المسلمون بعد معركة اليرموك على كميات كبيرة من النصوص الدينية اليهودية والمسيحية ، وما أن نصل إلى العصر العباسي إلا ونجد أن الأسفار التوراتية بأجمعها قد ترجمت للغة العربية ، ونسخة المؤلف التي تحصل عليها ويقدمها تعود لهذا العصر ، ويستظهر المؤلف أيضا أن الأندلس قد وصلتها ترجمات للتوراة أيضا .

ولا يقصد بالتوراة هنا التوراة التي أنزلت على النبي موسى عليه السلام ، و إنما يقصد بالتوراة هنا ( توراة كهنة اليهود ) والمسماة والمعروفة بالعهد القديم التي كتبها الكاهن ( عزرا ) إبان ( الدولة الأخمينية ) الفارسية عندما أسقطت دولة بابل واحتلت العراق . لقد كتب أحد اليهود المغاربة الذين دخلوا في الإسلام واسمه ( السموأل بن يحيى المغربي 570 هج / 1174م كتابا سماه ( إفحام اليهود ) قال فيه :” عزرا قد جمع من محفوظاته ، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي بين أيديهم الآن ، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة ، وزعموا أن النور إلى الآن يظهر على قبره ، الذي عند بطائح العراق ؛ لأنه عمل لهم كتابا يحفظ دينهم ، فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة ( كتاب عزرا ) وليس كتاب الله .” ص 139-140. وقد كتب عزرا العهد القديم باللغة الآرامية ، ثم انتقل في عهد دولة بطليموس الحاكم على مصر إلى الإسكندرية حيث ترجمت التوراة إلى الإغريقية ، والتي عرفت بالتوراة السبعونية ، فزالت بعد ذلك النسخة الآرامية .

لقد مر تدوين العهد القديم على ثلاث مراحل كما يذهب إلى ذلك المؤلف زكار ، وهي : المرحلة الأخمينية الفارسية ، والمرحلة الهلنستية اليونانية الرومانية ، وآخرها المرحلة الإسلامية ، وهي المرحلة الأخيرة من التدوين والتي انتهت في القرن العاشر الميلادي ، أي بحدود القرن الرابع الهجري ، وقد قسم الكهنة الأسفار على نوعين : شرعية ، وغير شرعية ( أبو كريفا ) . وقد تأثر كتبة العهد القديم من الكهنة بالمؤثرات الحضارية والوسط الثقافي الذي كانوا يعيشون فيه ، وقد كتبت دراسات في هذا الصدد ، ومن أبرز هذه المؤثرات تأثر الكهنة بالزرادشتية والثقافة الهلنستية .

لقد خرج الدكتور بعد دراسته لهذه المخطوطة بعدة نتائج – ربما – تكون صادمة لمن لم يعتد على البحوث التاريخية الجديدة ، والتي تعتمد على نتائج الآثار التاريخية بدراسة النصوص القديمة ، وكذلك بالدراسات المقارنة بين التوراة والثقافة التي ولدت فيها وتطورت ، وأنها تدرس ليس ككتاب مقدس منزل من الإله ، بل بكونه كتابا موضوعا بأيدي كهنة درسوا ونهلوا من ثقافة عصرهم فتأثروا بها وظهرت في العهد القديم . وهذه بعض النتائج التي خرج بها المؤلف زكار وهي جديرة بالتوقف عندها ومناقشتها :

١- يذهب الدكتور زكار إلى أن ” سبأ ” المذكورة في القرآن ليست واحدة ، بل هما اثنتان ( سبأ قصة النبي سليمان ، وسبأ اليمن ) وأما مسألة تشابه الأسماء فهو مشهور ومعلوم في تاريخ وجغرافية الوطن العربي . ولعل سبأ سليمان على مقربة من ( مملكة آشور العراقية ) ؛ لكثرة النصوص الآشورية التي تذكر الدويلات العربية المحكومة من قبل نساء .

٢- إن النبي داود كان يستخدم الحديد في صنع ( السابغات ) وهي الدروع الطويلة التي تلامس الأرض ، حسب آيات القرآن ، مما يعني أنه عاش في العصر الحديدي ، والمعروف أن الله عز وجل آتى النبي دواد وابنه ملكا كبيرا ، وهذا الوصف من استخدام الحديد بشكل واسع ينطبق على الإمبراطورية الآشورية التي بسطت نفوذها على العراق والشام ومملكة عيلام في إيران في إقليم خوزستان ، قبل قيام الدولة الأخمينية الفارسية وكذلك على جزيرة العرب ، وإقليم الأناضول في تركيا . وكما هو معروف أن عاصمة المملكة الآشورية كانت في بابل ، بل يقول المؤلف زكار أن اسم سليمان آشوري ، فداود كان ملكا آشوريا .

٣- يقينا لم يكن هناك سبي ليهود في القدس إلى بابل ؛ لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا على مسرح التاريخ ، يضاف إلى هذا أن الحفريات الأثرية أظهرت أن القدس كانت مدينة مزدهرة عامرة في التاريخ الذي قيل بأنها تعرضت فيه للخراب على أيدي جيوش نبوخذ نصر ، وأما نبوخذ نصر فلم يستولي على القدس .

٤- سلف لي التعامل مع موضوع ” مصر ” حيث نفيت بشكل علمي مؤصل على وثائق الآثار دخول بني إسرائيل إليها أو خروجهم منها .

٥- يمكننا أن نفترض أن ” السامري ” كان من الشعب السومري ، وهذه الفرضية تحتاج إلى ما يبرهن على صحتها .

٦- إنني استبعد هجرة النبي إبراهيم إلى فلسطين ، ومن ثم إلى أرض الكنانة .

٧- من الصعب القول بأن ما حدث مع النبي موسى عليه السلام وقومه كان في بقعة محددة من بلاد الرافدين ، لكن من المؤكد أن ذلك لم يكن في أرض الكنانة ، ثم إن التيه لم يكن في سيناء ؛ لأنه لا يوجد بين مصر وسيناء بحر .

٨- أشير هنا ، إلى أن الحفريات الأثرية في ” القدس ” لم تظهر ولا أدنى إشارة إلى بناء هيكل سليمان ، وأهم من هذا أن هذه المدينة – كبلدة أو مدينة – لم تكن موجودة قبل أواخر القرن الثامن قبل الميلاد .

ويختم زكار كلامه بتنويه ، بقوله : إن كل واحدة من القضايا المتقدم ذكرها تحتاج إلى أبحاث مستفيضة ، وهذا من غير الممكن أن يقوم به فرد ، بل يحتاج إلى مؤسسات بحث مختصة ، وقد آن الآوان أن يكون في كل جامعة في المشرق والمغرب العربي مركز للدراسات الإسرائيلية .

■ الكتاب …

الكتاب هو نص عربي لأسفار العهد القديم الخمسة ، مذيل بشروحات من قبل عالم مسيحي أرثوذكسي غير معروف الاسم ! وهذا ما لم يتحدث عنه الدكتور زكار ! بل دخل في استعراض مقدمته الطويلة مباشرة .

يمتاز المؤلف زكار بموسوعيته وسعة معارفه ، وعدم تردده في ما يظهر له من نتائج الأبحاث ، وإن كانت مغايرة للمألوف والمعهود في أذهان الناس ؛ لأن الرجل مؤرخ بحاثة ، فلذا لا غرابة أن يتحفنا بأطروحات جديدة أو معلومات صادمة ، بل إن الغريب هو أن تجد باحثا يضع الموسوعات فلا ترى فيها إلا إعادة وتكرار لما كتبه الأولون من المؤرخين ، وكأنها جزءا من العقيدة لا يحيدا عنها رغم تناقضاتها وتضاربها ، وكأن نتائج الآثار لم تقدم شيئا يعتد به من المعلومات ، أو خوفا من جمهور الأمة.

رضي الحصار

2018/4/1 1439/7/ 15

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open