الرئيسية / مقالات / السومريون / تاريخهم – حضارتهم وخصائصهم

السومريون / تاريخهم – حضارتهم وخصائصهم

رضي أحمد الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

● اسم الكتاب : السومريون / تاريخهم – حضارتهم وخصائصهم

● تأليف : صموئيل نوح كريمر

● ترجمة : الدكتور فيصل الوائلي

● الناشر : مكتبة الحضارات – لبنان

● الطبعة : الأولى – 1973م

● عدد الصفحات : 495

☆●☆●☆●☆●☆

لا يختلف اثنان من الباحثين على مكانة السومريين الحضارية ، وأنهم في الذروة من سنامها ، ولكن من هم هؤلاء ؟ وما أصلهم ؟ وأين كانت حضارتهم ؟ وما صلتنا نحن في حاضرنا بهذه الحضارة القديمة ؟ والسؤال الأهم : هل عاصر أحد من الأنبياء الحضارة السومرية ؟

قبل الولوج في عرض الكتاب وفصوله لابد من إطلالة سريعة على مؤلف الكتاب ( صموئيل نوح كريمر ) ومكانته العلمية في علم التاريخ الحضاري القديم ، فيعد كريمر الأمريكي من أبرز المؤرخين في علم السومريات ، وأحد المؤلفين الكبار الذين ساهموا بمؤلفاتهم في التعريف بالسومريين وحضارتهم على جميع الأصعدة والجوانب . وكتب عدة كتب تعد في طليعة الكتب والمراجع التي لا يستغني عنها أي باحث في علم السومريات ، وهي :
1- من ألواح سومر / ترجمة طه باقر
2- الأسطورة السومرية / ترجمة شاكر مخلف .
3- السومريون / ترجمة فيصل الوائلي
وهو الكتاب الذي سنقوم بعرضه هنا .

الكتاب هو موسوعة مصغرة عن السومريين لمختلف جوانب حياتهم ، فقسم المؤلف الكتاب إلى ثمانية فصول بدأها بمقدمة ، كما أن الدكتور الوائلي المترجم قدم هو الآخر بمقدمة تمهيدية كمدخل للكتاب ، فجاءت فصول الكتاب مرتبة كالتالي :
1- علم الآثار وفك رموز الكتابة
2- التاريخ : أبطال وملوك وأمراء
3- المجتمع : المدينة السومرية
4- الديانة : اللاهوت والطقوس والأسطورة .
5- الأدب : الادب السومري المحض .
6- التربية والتعليم : المدرسة السومرية .
7- الحوافز والبواعث والقيم .
8- تراث سومر .
وختم كتابه بعدة ملاحق تدارك بها ما فاته . وسنعرض لأهم ما جاء في هذه الفصول بحسب ترتيب المؤلف .

● علم الآثار وفك رموز الكتابة .

كانت الرواسب الطينية لنهري الفرات ودجلة أكبر الأثر في انبثاق الحضارة العراقية القديمة ، فكان التدوين الكتابي لأقدم أبجدية عرفها الإنسان ولدت على ألواح الطين العراقي بكتابته التي عرفها الآثاريون بالكتابة المسمارية ، والتي أبدعها السومريون . استمرت الأبجدية المسمارية مستخدمة ألفي عام تقريبا ، فمن بعد السومريين استخدمها البابليون والآشوريون في العراق ، وكذلك العيلاميون والميديون في جنوب إيران . وفي عهد السلالة الفارسية الأخمينية نسبة لمؤسسها ” أخامينس ” 700 ق.م ، تم تدوين بعض نصوص هذه السلالة بلغات ثلاث هي : الفارسية القديمة ، والعيلامية ، والأكدية وبالكتابة والأبجدية المسمارية ، فعثر على هذه النصوص في موقع بيستون في إيران فكانت المفتاح لفك الكتابة المسمارية . وهذه النصوص تشبه من حيث الأهمية ” حجر رشيد ” والذي بسببه تم فك ومعرفة اللغة الهيروغليفية . فبمعرفة أبجدية السومريين انكب العلماء على قراءة الآلاف من الألواح الطينية والدخول إلى عالم وحضارة السومريين ووصلها بالحلقات التاريخية لحضارة الإنسان على هذه الأرض .

● التاريخ : أبطال وملوك وأمراء

يقدر الباحثون بصورة تقريبية أن بلاد سومر ( جنوب العراق حاليا ) أصبحت تعرف بهذا الاسم خلال الألف الثالث قبل الميلاد ، وأن ” من المؤكد إلى درجة معقولة أن أوائل المستوطنين في بلاد سومر لم يكونوا من السومريين ! ولا يأتي الدليل على هذا الرأي من مصادر آثارية أو أنثروبولوجية التي هي في الواقع غامضة وغير حاسمة بالنسبة لهذا الموضوع ، ولكنه يأتي من الأدلة اللغوية . إن اسمي النهرين اللذين يهبان الحياة لبلاد سومر ( دجلة والفرات ) كلمتان غير سومريتين ، كما أن أهم مراكز بلاد سومر ” أريدو”، ” أور”، ” أيسن”، “أدب”، ” كولاب”،” لجش”،” نيبور”، “كيش” كلمات ليس لها أصل لغوي سومري مقنع ” .
كان ملوك وحكام سومر يعرفون باسم ( أنسي Ense ) ، وقد عثر على وثيقة تعد من أثمن الوثائق السومرية والتي سجل فيها أسماء ملوك سومر ومدد حكمهم ، بالإضافة إلى أسماء ثمانية من ملوك ما قبل الطوفان !! والتي يعتبرها المؤلف أنها ( خليط بين الحقيقة والخيال ) ؛ وذلك لاستغرابه من ( مدد حكمهم ذات الديمومة الأسطورية ) والتي بلغت مدتها إلى ما يقرب من ربع مليون سنة بالنسبة للملوك الثمانية لفترة ما قبل الطوفان ! . كان أول حاكم سومري سجلت أعماله عرف باسم ( إيتانا Etana ) ملك كيش ، وهو شخصية مشهورة في( سومر وأكد) دارت حوله الأساطير وكتبت عنه القصائد بأنه ( صعد إلى السماء ) .
واما أبرز ملوك سومر فهم من عرفوا بملوك سلالة ( أور الثالثة ) ، والتي بلغت سومر في عهدهم قمة المجد .

● المجتمع : المدينة السومرية

كانت سومر في الألف الثالثة قبل الميلاد ، تتكون من اثنتي عشرة ( دولة – مدينة) ، لكل منها مدينة مسورة وتحيط بها ضواحي مؤلفة من قرى كبيرة وصغيرة كالعادة . وكان أبرز ظاهرة في المدينة في كل مدينة ( المعبد ) الرئيسي الذي يقف على مصطبة عالية تطورت تدريجيا إلى برج مدرج ضخم يعرف باسم ( زقورة ) ، وهو أهم اسهام قدمته بلاد سومر إلى العمارة الدينية . وعرفت بذلك طبقة رجال الدين ، كما عرفت المدينة السومرية التشريع والقوانين المدنية . ويقدر الباحثون عدد سكان أهم المدن السومرية بعضها ب100,000 نسمة كمدينة ” لجش” وبعضها يصل إلى 200,000 نسمة كمدينة ” أور ” عندما أصبحت عاصمة لسومر . كما برع السومريون في البناء والعمارة بسبب تقدمهم في العلوم الرياضية واستحداثهم نظام ( العد الستيني ) شبيه بنظام عدنا العشري . واما في الفن فقد كان السومريون بارعين في فن النحت وتماثيلهم تكشف عن قوة عاطفية وروحية ، وكذلك برعوا في صنع الأختام الأسطوانية ، وغيرها من العلوم والفنون .

● الديانة : اللاهوت والطقوس والأسطورة .

يقول المؤلف :” لقد طور السومريون خلال الألف الثالث قبل الميلاد أفكارا دينية ومفاهيم روحية تركت في العالم الحديث أثرا لا يمكن محوه ، خاصة ما وصل منها عن طريق الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام . فعلى المستوى العقلي استنبط المفكرون والحكماء السومريون كنتيجة لتأملاتهم في أصل وطبيعة الكون وطريقة عمله ، نظرية كونية وأخرى لاهوتية كانتا تنطويان على إيمان راسخ قوي بحيث أنهما أصبحتا العقيدة والمبدأ الأساسيين في أغلب أقطار الشرق الأدنى القديم . وعلى المستوى العملي والوظيفي طور الكهنة ورجال الدين السومريون مجموعة من الطقوس والشعائر والاحتفالات الغنية بالألوان والتنوع والتي كانت تؤدى لغرض إرضاء الآلهة وتهدئتهم بالإضافة إلى ما فيها من إشباع عاطفي لحب الإنسان للمهرجانات والمشاهد الضخمة . وعلى المستوى الجمالي خلق الموسيقيون والمنشدون الأميون وورثتهم المتأخرون وشعراء وكتاب ” الإيدوبا ” أي ( المدرسة ) ما يعتبر من جميع الوجوه أغنى مجموعة أساطير ( ميثولوجية ) في الشرق الأدنى القديم ، نزلت بالآلهة إلى مستوى الحجم البشري ، إلا أنهم فعلوا ذلك بتفهم واحترام ، وفوق كل شيء بأصالة وخيال “.

● الأدب : الأدب السومري المحض

إن الجميل في أمر الآثار السومرية بالنسبة لعلماء الآثار هي أنها لم تقتصر آثارهم على بقايا الأبنية والقصور والمعابد ، بل كانت سعادتهم هي بفك رموز أبجديتهم المسمارية ، وسعادتهم القصوى بحصولهم على الآلاف من ألواح الطين التي تمثل تركة السومريين في جميع مجالات حياتهم الدينية والعلمية والسياسية والاقتصادية والزراعية والأدبية أيضا. لقد ترك الأدب السومري بصمته على معاصريه من حيث القوة الأدبية الإبداعية ، وكان أدبهم هو الحاضر على الدوام على من جاء بعدهم .
يقول كريمر:” .. ومهما قيل في أهمية هذا الأدب لتقويم التطور الحضاري والعقلي في كافة أنحاء الشرق الأدنى القديم بشكل مناسب ، فإنه لا يكون قولا مبالغا فيه . فقد أخذ الأكديون والآشوريون والبابليون هذه الأعمال الأدبية بكاملها تقريبا . وترجم الحثيون والحوريون والكنعانيون بعضا منها إلى لغاتهم الخاصة ، وقلدوها بلا شك تقليدا واسعا . وتأثرت صيغة الأعمال الأدبية العبرانية ومحتواها ، بل حتى أعمال قدماء الإغريق تأثرت إلى حد ما تأثرا عميقا بالأعمال الأدبية السومرية “. كما ينبه المؤلف على نقطة مهمة حول الأدب السومري وهي أن غالبية الأعمال الأدبية السومرية كتبت شعرا ،
كما كتبوا أيضا ( الأدب الملحمي ) كملحمة جلجامش الشهيرة ، وبرعوا في صياغة الأمثال ، وكانت قصائدهم حول رثاء المدن بعد خرابها يكاد يكون من أبرز ألوان الشعر عندهم ، فهل هذا اللون من الرثاء للمدن هو أحد بصمات السومريين على القصيدة الجاهلية في ما عرف من خصائص القصيدة الجاهلية التي تبتدئ بالبكاء على الأطلال !؟ .

● التربية والتعليم : المدرسة السومرية .

يقول المؤلف :” إن أبرز إنجازات بلاد سومر من وجهة نظر” تاريخ المدنية”
هو تطوير نظام الكتابة المسمارية ونظام التعليم المنتظم الذي كان نتيجة مباشرة لتطوير الكتابة . وليس من المبالغة القول بأنه لولا جهود العلماء والمعلمين السومريين المجهولي الهوية من ذوي الاتجاه العملي الذين عاشوا في أوائل الألف الثالث ق.م . وقدرتهم الإبداعية ودأبهم المتواصل لما كان بالإمكان تحقيق إنجازات العهود الحديثة العقلية والعملية . فمن بلاد سومر انتشرت الكتابة والتعليم في كافة أرجاء العالم “.
ويكشف المؤلف أن التعليم لم يكن عاما ، بل كان مختصا بطبقة الأغنياء المقتدرين ، ووجد أيضا أن التعليم لم يكن بكامله مقتصرا على الرجال ، بل كان للمرأة نصيب منه .

● الحوافز والبواعث والقيم .

قدم المؤلف في هذا القسم دراسة عن ( شخصية الشعب السومري ) وعن نفسيته ونوازعه البشرية وعواطفه المتمثلة في قيم الإنسان الثلاث وهي : الحب والكره والخوف ، فعمد إلى دراسة ” الحب ” عبر قصائد الحب والغناء ، ودراسة الأسرة وروابطها . وكذلك سار في دراسة الباقي ، فخرج بأن سن القوانين والتشريعات كانت صورة القيم التي أراد بقاءها وحفظها للأجيال التالية .

● تراث سومر

لقد قدمنا شيئا بسيطا عن السومريين في الفصول السابقة ، وهنا يعرض المؤلف بإسهاب لتراث سومر على من جاورهم ، ومن جاء بعدهم . وقد اهتم المؤلف بشكل خاص بقيامه بعقد مقارنة طويلة بتأثر كهنة اليهود عند قيامهم بكتابة ” العهد القديم / توراة الكهنة ” بنصوص الأدب السومري . وقد كتب غير واحد من الكتاب في هذا الأمر ، بل وأفردوا له كتبا خاصة .

■ الكتاب …

الكتاب من الروعة بمكان يأخذ ويأسر القارئ بأسلوبه السلس ، وبغزارة معلوماته الموثقة بالنصوص الأصلية من خبير فيها مارس عن كثب في تنقيب الآثار الباقية وبين ألواح الطين ، فأنفق عمره في اظهار تراث سومر للعالم . الكتاب بحق موسوعة مصغرة في كتاب جامع للشتات .
استوقفتني في هذا الكتاب عدة أشياء ، هي :

1- أن أعمار ملوك العراق ماقبل الطوفان كانت طويلة جدا ، مما أثار استغراب المؤلف ! وأعتبر أن فيها جانبا أسطوريا رغم أنها موثقة في قائمة الملوك السومرية ، والتي تختلف أعمارهم عما قبل الطوفان . وفي القرآن تثبت الآيات طول عمر النبي نوح ، وهو مما يوافق الوثائق السومرية في طول عمر الإنسان .

2- إن أغلب نتاج السومريين كان شعرا ، وأن من أغلب ألوان الشعر البارز عندهم ( رثاء المدن ) ، وهذا – ربما – يكون مفتاحا لمحاولة فهم وسر وقوف شعراء الجاهلية على الأطلال !! فهل هو أحد بصماتهم الأدبية التي عمت المنطقة بأسرها ؟ هذا الأمر يحتاج إلى دراسة مقارنة بين الشعر السومري والشعر الجاهلي لتلمس نتائج هذه النتائج .

3- لفظة ( أمي ) مفرد أميون ، لفظة سومرية ، وقد أوردها الدكتور عبدالمنعم المحجوب كذلك في كتابه ( المعجم السومري ) بمعنى :
ummia (ءُمِّيَ): المعلّم، التلميذ

5 تعليقات

  1. هادي المسعري

    رائع

  2. هادي المسعري

    رائع جدا

  3. د سيف الدين الشامي

    افضل من كتب بتاريخ الحضاره السومريه هو الباحث زكريا سيتشن والذي امضى سنوات طويله من عمره منذ سنه 1976الى سنه 2016 وهو يدرس الرقم السومريه ويكتب زهو اول من فك رموز الشيفره للغه السومريه بشكل كامل والف 14 كتابا عن الحضاره السومريه وله انصار كثيرون حول العالم وغير كل النظره القديمه للحضاره السومريه وعمل ثوره في مجال البحث التاريخي حول اول حضاره بشريه ظهرت بالعالم .انصح الجميع قرائه كتبه وابحاثه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open