الرئيسية / مقالات / موت المؤلف: المناهج المرتبطة والامتداد المستقبلي

موت المؤلف: المناهج المرتبطة والامتداد المستقبلي

محمد الحميدي

للمرة الثانية يتناول الأستاذ والصديق العزيز الإعلامي جمال الناصر كتاب التحولات وينثر بعض الورد من حديقته، والوردة التي قطفها تتمثل في “موت المؤلف”، وهي التي سأكتب عليها تعليقا يضيء ما حولها، أو ما حول المصطلح، وسيكون في ثلاثة عناوين

معنى موت المؤلف

الأب الرمزي، أو المالك المعنوي، أو الاسم المصاحب للقصة أو القصيدة أو المسرحية أو الكتاب العلمي الجاد، كلها مصطلحات يمكن نسبتها إلى المؤلف باعتباره خالق العمل (حديثي سيقتصر على الجانب الفني)، ومن المستحيل أن نفصل بين الكاتب وعمله، على مستوى النسبة على الأقل، فكل كتاب ينتسب إلى مؤلف معين، ولكن هذا الكاتب حينما يكتب ما يكتب لا يتجه إلى نفسه، بل يخاطب قارئا، شخصا آخر يشاركه الاهتمام، ولهذا يكون عرضة للتأثير عليه ونقل أفكاره وخيالاته ومشاعره عبر عمله الفني، ومع مرور الوقت وتكاثر الأعمال قد نلحظ التشابه في الطرح والقراءة، وهذا يعني أن الأب الرمزي كما وصفناه أو الكاتب الأول قد أثر في أجيال عديدة من الكتاب بعده، ومن خلال المحاولات الكتابية ربما ينتج جنس جديد وغير مسبوق في ثقافة من الثقافات مثل المقامات والموشحات قديما أو مثل فن الرواية حديثا.

الأعمال الفنية ظهرت للوجود نتيجة الحاجة، التي تنقسم إلى حاجة شعورية تبعث على التعبير عن الداخل النفسي كقصائد الحب والغزل أو قصائد الرثاء نتيجة التأثر بالفقد أو قصائد المديح نتيجة الانغماس في الفرح والشعور العارم بالسعادة، أو قد تكون لحاجات موضوعية مثل تكريم أحد الأشخاص أو تخليد حادثة من الحوادث مثل الإلياذة لهوميروس التي حكت الحرب اليونانية وتم استخدام الحصان الخشبي العملاق كخدعة لفتح طروادة، هذان النوعان هما ما ينتج الأعمال الفنية غالبا، وربما كانت هنالك تأثيرات أخرى، لكنها تقل أمام هذين النوعين أو الحاجتين.

تنتظم الأعمال الفنية التي ذكرتها ضمن دائرتين، هما دائرة التأثير الشخصي ودائرة التأخير الخارجي، الدائرة الشخصية تبحث في حياة الأشخاص والتفصيلات المتعلقة بهذه الحيوات، مع امتداد تأثيراتها للمحيط من وصف البيئة وكيفية العيش والظروف التي كانت موجودة آنذاك، الدائرة الخارجية ترتبط أكثر بالحوادث الكبرى التي تقع ضمن المجتمعات مثل الحروب والمجاعات ومشكلة الفقر، وهنا حينما ننظر إلى الأعمال الفنية يمكننا أن نقرأ واقع المجتمع وواقع الشخص بحسب ما يقدمه في عمله الفني.

موت المؤلف يشير إلى الدائرة الثانية؛ حيث يبحث في الظروف المحيطة والمشكلات دون التطرق إلى ذات الكاتب، وكأن المؤلف هنا ليس أكثر من ناقل للواقعة الحقيقية أو الخيالية بأسلوبه الفني، وهو ما يقودنا إلى النظريات الأدبية والمناهج المستخدمة، فقديما كان الاهتمام الكبير ينصب على الشخص الكاتب تعريفا به وبزمنه وظروفه وعاداته وتعليمه … إلى آخر القائمة المعروفة والتي لا زالت هذه الطريقة مستخدمة في بعض الكتابات وإن باتت أقل بكثير من السابق، أو حديثا حيث التوجه إلى دراسة العمل الفني بمعزل عن تأثيرات الكاتب والبيئة المحيطة، وهذا ما يعود بنا إلى الفقرة الأولى التي افتتحت بها الحديث من أن تكاثر الأعمال الفنية يولد نوعا من التأثير، وهذا التأثير يكاد يلغي صوت الكاتب ويجعله مجرد ناقل، فكأن الثقافة التي يحملها هي التي تتحدث وعليه أن يصوغ الكلمات المناسبة والصور التي تشرح وتعبر عن هذه الثقافة.

إن موت المؤلف عملية رمزية الهدف منها الاهتمام بالمكتوب على حساب الكاتب، فالدراسات الفنية ينبغي أن تركز على الرؤيا التي تقدمها لا على رؤية الكاتب، والفارق بينهما كبير، فالنصوص تمتلك رؤيا والكاتب يمتلك رؤية.

لنبدأ بالرؤية الخاصة بالكاتب، نجدها تضيق وتتسع، يطرحها في كتاباته المختلفة وفق ثقافته وخبرته وقراءاته وتجاربه وهي تعتبر الأرضية التي ينطلق منها لبناء رؤيا النص الفني الذي وإن كان يعتمد على الرؤية ويتقاطع معها إلا أنه يختلف عنها في النتائج التي يصل إليها، الرؤية خاصة بالكاتب وحده ومجالها ضيق وأفقها غير ممتد، بخلاف الرؤيا التي تضع المشكلة في طريق الحل وتقدم ما يستفز العقل على التفكير وتنعش الخيال بمزيد من الصور والأفكار والعلاقات.

نظرة على المنهج والنتيجة:

عاشت النظرية القائلة بأن الكاتب هو أصل الإبداع في ظل المدرسة الكلاسيكية وجزء من المدرسة الرومانسية وعملت على تقديم الفضائل الأخلاقية وتصوير المجتمع باعتباره مجتمعا ملائكيا رغم ما به من شوائب كالعبودية والطبقية والاستبداد، وكان من آثار هذه المدرسة أن ظهرت المناهج التاريخية والوصفية والنفسية، التي تميز بعضها بالتركيز الشديد على الكاتب وعالمه الصغير حيث ترى بأن إلقاء الضوء على المبدع كفيل بتفسير إبداعه، ومع تطور المدارس الفنية ودخول الواقعية والسوريالية والفن للفن برزت الحاجة إلى منهج جديد لقراءة الأعمال الأدبية بعيدا عن الكاتب وهنا كانت نهاية المنهج البنيوي وبداية المنهج التفكيكي الذي فتح الأفق أمام النص ودعا إلى تشريح النص إلى عناصره الصغرى ومن ثم إعادة تركيبها ليتم اكتشاف صلته بالحياة، ومع تراجع الكاتب إلى الخلف برزت أيضا مناهج القراءة والتلقي التي ركزت على أساليب وجماليات القارئ وأنه الوحيد القادر على أخذ الدلالة والوصول بها إلى فهم النص، ومع التطور الكبير دخل المنهج التأويلي أو الهارمونتيكي إلى الساحة وأصبح لكل قارئ قدرة على التأويل وفك رموز النصوص، وجميع هؤلاء القراء المنفردين على حق فيما يصلون إليه من استنتاجات، فالنص يقدم المادة الخام، أو الفكرة، والقارئ يعمل على فك الرموز واكتشاف المخفي وراءها.

بطبيعة الحال من نتيجة المناهج المتنوعة التي عرضتها للتو نصل إلى بعض الاستنتاجات سأحاول إجمالها في التالي:

1- تنوعت المناهج بين القديم والحديث وبرزت بداية على أنها تركيز على النص وكاتبه مع إفساح مجال واسع للتعريف به وبمنجزاته وعلمه وتأثيراته.

2- حدث انتقال من المنهج البنيوي إلى المنهج التفكيكي بعد أن شعر النقاد بضرورة تحديث مناهج القراءة للنصوص الفنية وفق المدارس التي أخذت في الظهور تباعا كالسوريالية والفن للفن والواقعية مما قطع الصلة بين الفن وكاتبه وهنا تم الاتجاه إلى موت المؤلف كنتيجة حتمية لما كان يثار آنذاك.

3- كان من نتيجة المناهج الجديدة التركيز على المتلقي فظهر بسبب ذلك علم القراءة والتلقي الذي ينظر إلى العمل الفني من زاوية القارئ وليس من زاوية الكاتب وهو تطور طبيعي لما كان يدور في الساحة الثقافية العالمية ذلك الوقت، فتنوعت الدراسات التي تناولت القارئ وجاء القارئ العليم والضمني والمفترض.

4- صاحب مناهج القراءة والتلقي علوم ومعارف مختلفة ارتبطت بالنص وكيفية قراءته مثل التداولية وعلم نفس الأدب والحجاج والبلاغة الجديدة وعلم العلامات أو الرموز (السيميولوجيا)، هذه العلوم دفعت وعمقت الفصل بين الكاتب والنص وأصبح المعنى في بطن القارئ بدلا من كونه في بطن الكاتب.

الكاتب والنص: اتصال أم انفصال

تاليا يمكننا الحديث عن سبب ارتباط الكاتب بالنص وعدم إيماننا بالفصل التام بينهما وعن الإشارة إلى الكاتب المتفرد والذي يكاد لا يجاريه أحد في ميدانه.

هنالك علاقة وثيقة بين الكاتب والنص، حيث الرعاية الأبوية كما مر معنا والتعهد بالبذرة حتى تنمو وتكتمل شجرة أو نصا مثمرا يصل إلى القارئ فيتلذذ به مثله مثل الثمرة الناضجة التي يتم قطفها طازجة، من هنا من طزاجة النص واستعداد القارئ يمكننا الدخول إلى العلاقة بينهما.

لا شك أن لكل كاتب بيئة ثقافية ينتمي إليها وعبرها يحصل على معارفه وسلوكياته وخبراته المتنوعة إضافة إلى ذلك توجد مجموعة أخرى من التأثيرات تتراوح بين الضيق والسعة منها السفر إلى الخارج بغرض الدراسة أو السفر السياحي ومنها الالتقاء بأدباء ومنتمين إلى ذات الفن من دول أخرى ومنها الاطلاع على الإنتاج المكتوب في تلك الدول والأقطار ومنها القراءة في الأدب المترجم والاحتكاك به ومحاولة تمثله مثلما حصل في بدايات القرن المنصرم (كتاب الغصن الذهبي) وما تلاه وعبره دخلت النظريات الأدبية والمناهج الفكرية والروائع الكتابية، هذه البانوراما التي أستعرضها أمامكم ليست إلا جزءا من المشهد الذي يعتري الكاتب فهناك إضافة إليها التفاعلات التي تحدث حول كتاب أو قصيدة ضمن البيئة الثقافية نفسها وهناك التوجهات المختلفة والانتماء إلى تيارات كالتيار الحداثي أو التيار التوفيقي أو الاحتكاك بالمشكلات المباشرة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وهي تدخل جميعها في مجال التأثير على الأديب أو الكاتب وتكوينه.

حينما يصدر الأديب أو الكاتب نصه فإنه يتعرض لجميع التأثيرات التي ذكرتها، سواء أكان واعيا بها أم غير واعٍ، ولن أناقش مسألة الوعي حاليا وربما نتعرض لها في وقت آخر، ما يهمني هو الجِدّة التي يطرحها الكاتب، فلكي يحصل الموضوع على اهتمام القارئ ينبغي أن يكون جديدا وقريبا من البيئة الثقافية ومصاغا في كلمات تحتوي نوعا من الإدهاش، وهذان العنصران: الجدة والإدهاش يميزان الكتابة الطازجة الناضجة التي يستلذ القارئ بالتهامها.

المناهج النقدية القديمة كانت تنظر إلى الكاتب باعتباره حجر الأساس في الإبداع والنظريات النقدية الحديثة تنظر إلى القارئ باعتباره بديل الكاتب في الحصول على المعنى واستخراج الدلالة، وأمام هذين المنهجين المتوازيين في النظر إلى الكتابة للناقد الحق في استخدام ما يشاء من مناهج، لكن رغم كل ذلك من الصعب أن نغفل تأثيرات الكاتب على النص، ربما المناهج الحديثة تتجه إلى القارئ في استخراج الدلالة ولكنها لا تهمل ثقافة الكاتب وتأثراته وخبراته، نعم ربما تتحاشى إظهارها للعيان وإبرازها ولكنها تظل في المجمل موجودة وإن كانت متوارية عن الأنظار، ولو أردنا التمثيل يمكننا الإتيان برواية “حرب الكلب الثانية” الفائزة بجائزة البوكر 2018م للكاتب: إبراهيم نصر الله وسنجد في طياتها تأثرا بفكرة الشبيه أو النسخة الأفلاطونية كما سنجد كذلك تأثرا بقضية الشعب الفلسطيني الذي يعاني من تقسيم الأرض والحروب التي تنشب هنا وهناك، والكاتب كما هو معروف فلسطيني الانتماء والهوية.

لا أود الحديث عن الناحية الأخلاقية في الكتابة لكونها تمثل إشكالية ويرفضها الكثير من المثقفين، ولكني سأشير إليها باختصار: الكاتب أخلاقيا مسؤول عن كتابته، فما تحتوي عليه من مشاهد وصور وأفكار يصبح هو المسؤول الأول عنها، نعم سيتلقفها القارئ فيما بعد، وتلك مرحلة تلي الكتابة الأولى، نحن على سبيل المثال حينما نريد أن ننسب الأقوال فإننا ننسبها إلى أصحابها ليس إلى القراء، فالقارئ لا دخل له هنا.

أختتم حديثي بالهمسة التي افتتح بها الأستاذ جمال مقالته وهي: كن أنت ولا تكن غيرك، هذه العبارة القصيرة تثير موضوعا حساسا بعض الشيء في بيئتنا الثقافية، فلقد اعتاد الكاتب الناشئ أن يتتلمذ على يد أحد الكتاب الأقدم منه، وهذا الكاتب قد يكون موجودا ضمن البيئة نفسها أو آتٍ من خارجها، المشكلة ليست في التمثل به، فهناك الكثير من المبدعين يحتذي حذوهم الكتاب ومنهم جبران ودرويش والسياب والسيد مصطفى وبدوي الجبل والجواهري، تكمن المشكلة في استحواذ الشخصية التي يتمثلها على أدبه، وهنا يرتبط بتلك الشخصية ولا يستطيع الخروج إلى العلن بمفرده، وهي ظاهرة موجودة وصحية ثقافيا في بدايتها ولكن ينبغي أن ينتبه الكاتب إلى نفسه ويخلع عنه الرداء الذي ارتداه في مرحلة من مراحل نموه الثقافي أو الكتابي، أما كيف يحقق ذلك؟ فهنا سنجيب إجابة غاية في البساطة وسنربطها بموضوعنا وهي تتمثل في كلمة الطزاجة، أي تكون كتابته جديدة في الطرح وتقديم الفكرة وغير مسبوقة ما أمكن مع احتوائها على إثارة وإدهاش للقارئ، عبر هاتين الصفتين يتحقق للكاتب التميز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open