الرئيسية / مقالات / جغرافية الوهم

جغرافية الوهم

سلسلة كتاب في مقالة
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

》 2018….. 5 《

● اسم الكتاب : جغرافية الوهم

● اسم المؤلف : حسني زينة

● الناشر : رياض الريس – لندن

● الطبعة : الأولى – 1989

● عدد الصفحات : 216

☆●☆●☆●☆●☆●☆

” الأوتوبيات كثيرة واليوتوبيات كثيرة . الأولى لا يدرى أين هي ، أما الثانية فمعلومة المكان ، محجوبة بالمسافات التي تفصلها عن ممالك ذلك العصر ، وتحول دون اتخاذها جزءا من أية أسطورة اجتماعية ذات أهداف سياسية ، بل تجعل منها بديلا نقديا قاسيا لأخلاق ذلك العصر ونظمه وحكامه ، بديلا تشتد قسوته كلما فكر الإنسان أنه موجود في هذا العالم ، وليس بديلا رمزيا أو مجازيا لا يوصل إليه إلا بالتصوف والرياضة في الزمن المتطاول .

المكان ليس متجانسا في ” جغرافية الوهم ” ؛ لأن خصائصه لا تتعلق بجسم موجود ولا بنقطة ارتكاز يرجع إليها ، والناس العائشون في عالم ” جغرافية الوهم ” لا يدركون أن واقعهم وهمي . وربما لم يدرك ذلك كتاب هذه النصوص أيضا. ولكن ما الذي يجعل قارئ هذه السطور يدرك ذلك ؟ “.

استهل كاتبنا في مقدمة كتابه بهذا المقتطف منها ، وختمه بهذا التساؤل الذي استظهر أنه سيقفز إلى ذهن القارئ مباشرة ، ولكنه أرجأ الإجابة عنه إلى الباب الثاني الذي عنونه ب( الوهمي والعجيب ) وبدأ كتابه بالباب الأول تحت مسمى ( جغرافية الوهم الطبيعية والبشرية ) وساق فيه نصوصا رتبها بطريقة المعجم الألفبائي ؛ ليسهل الرجوع إليها ، وبتبويب آخر موضوعي أيضا ؛ لتكون دائرة النصوص المعدة للدراسة فيها جنبة الشمولية الموضوعية في تغطية أكبر قدر ممكن من جوانب حياة الإنسان . ويهدف المؤلف من هذا الكم الواسع من النصوص التي قدمها في الباب الأول ؛ لتكون ذهنية القارئ مهيأة كمقدمة للإجابة على التساؤل في الباب الثاني إذا ما بدأ في الإسهاب في شرح مقصده من عنونة الكتاب بهذا الاسم ” جغرافية الوَهْم ” والالتباس الذي يتوخى المؤلف من ازاحته ، وبيان مراده . ونسوق بعض الأمثلة على النصوص التي اختارها المؤلف .

● إرم ذات العماد الثانية .

أمة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات ، يصب إلى بحر الروم ، وقيل : إلى بحر نيطس . ويقال لدار مملكة هذه الأمة إرم ذات العماد ، وهم ذوو خلق عجيب ، وآراء جاهلية ، ولهذا البلد على هذا البحر خبر ظريف ، وذاك أن سمكة عظيمة تأتيهم في كل سنة فيتناولون منها ، ثم تعود ثانية فتتوجه نحوهم من الشق الآخر فيتناولون منها، وقد عاد اللحم على الموضع الذي أخذ منه أولا . وخبر هذه الأمة مستفيض في تلك الديار من الكفار .

( المسعودي / مروج الذهب ج1 )

● جزيرة واق واق .

إنها في بحر الصين وتتصل بجزائر زانج ، والمسير إليها بالنجوم . قالوا : إنها ألف وستمائة جزيرة ، وإنما سميت بهذا الاسم ؛ لأن بها شجرة لها ثمرة على صور النساء معلقات من الشجرة بشعورها ، وإذا أدركت يسمع منها صوت ( واق واق ) وأهل تلك البلاد يفهمون من هذا الصوت شيئا يتطيرون به .

قال محمد بن زكريا الرازي : هي بلاد كثيرة الذهب ، حتى أن أهلها يتخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب ، ويأتون بالقمصان المنسوجة من الذهب .

وحكى موسى بن المبارك السيرافي : أنه دخل هذه البلاد وقد ملكتها امرأة ، وأنه رآها على سرير عريانة ، وعلى رأسها تاج وعندها أربعة آلاف وصيفة عراة أبكارا .

( القزوبني / آثار البلاد وأخبار العباد ) .

أسهب المؤلف في الباب الثاني في شرح مغزى عنوان كتابه “”جغرافية الوهم ” فابتدأ ببيان الفرق اللغوي بين المفردتين ( الوَهْم ) الساكنة الهاء ، و( الوهم ) مفتوحة الهاء بقوله :” أود أن أنبه بادئ بدء إلى التمييز المهم جدا بين دلالتي( الوهم و الوَهْم ) ؛ لأن كل واحدة من الكلمتين تنتمي إلى حقل دلالي مختلف … فالأولى تنتسب إلى حقل الدلالة التقريرية بينما تنتسب الثانية إلى حقل دلالي آخر هو حقل الدلالة التقويمية . وقد اكتسب هذا الالتباس اندفاعا جديدا تحت تأثير الأفكار التطورية التي روجتها نظريات كونت وداروين حتى غدا الوَهْمُ مردافا للباطل الذي لا أساس له ، وصارت دلالة الوهم ( بفتح الهاء ) مع ما يرافقها من تداعيات قدحية هي الأسبق إلى ذهنيتنا المعاصرة ؛ لذلك يهمني أن أوضح أنني لا أستعمل كلمة وهم بهذا المعنى في عبارة ” جغرافية الوَهْم ). ثم دخل في شرح الفوارق بين الحقلين الدلاليين معرجا بعد ذلك في التفريق أيضا بين ( الوهم المنظوري والوهم الثقافي ) وأن الوهم الفردي وهم ” حقيقي ” أصيل ، بينما الوهم الثقافي وهم اعتباري ، فجغرافيا الوهم هي جغرافيا الوهم المنظوري الثقافي ؛ أي أن نصوص ” جغرافيا الوهم ” لا تعبر عن الأوهام الجغرافية الفردية ، ولا تلك الشائعة عند طبقة معينة ، بل تشمل جميع طبقات العصر المحدد – ابتداء من الطبقة الشعبية صعودا .

إن الجغرافيا تبحث عن إجابة دقيقة وشاملة عن واحد من أقدم الأسئلة الإنسانية : ” أين أنا ؟ ” .

ملئت كتب الأقدمين من الجغرافيين وممن ألف في البلدان بالأساطير والغرائب ، حتى استساغها العقل الجمعي فسطرت في أمهات الكتب من قبل العلماء بلا أدنى ملاحظة أو اعتراض على دقة المعلومة المنقولة من البحارة عن تلك البلاد ، الذين بدورهم ينقلون عن أناس من بلدان أخرى بلا تردد أو تساؤل حول صحة ما ينقلونه ، فصبغت كتب التراث بصبغة الغرائبيات فوجدت لها أسماعا صاغية متلهفة في الاستمتاع بقصص الخيال والأساطير فضاعت الحقائق بين ركام الحكايات .

■ تقييم الكتاب …

الكتاب على صغر حجمه ممتع في موضوعه وعرضه . غير أن منهجية تقسيم الكتاب غير مريحة للقارئ – وإن بين المؤلف سبب ذلك – !

لعل الكتاب يحتاج إلى ملحق للخرائط والصور ؛ ليكون الكتاب أجمل في العرض وربط الأفكار .

رضي الحصار 2018/2/1

1439/5/15

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open