الرئيسية / منوعات / عمل طلاّب الجامعات في العطلة الصيفية… ضرورة علمية أم حاجة مادية؟
1531976845951961500.JPG

عمل طلاّب الجامعات في العطلة الصيفية… ضرورة علمية أم حاجة مادية؟

عمل الطالب في العطلة الصيفية يكسبه خبرة مهنية وإجتماعية
إيمان ونوس - الحياة

لا شكّ في أن الشباب هم العمود الفقري للدول والمجتمعات، فهم الفئات الأكثر عطاءً واستيعاباً لمختلف التطورات والتقنيات العلمية الحديثة. لذا، فإن الدول والحكومات المعنية بتطوّر المجتمع، لا بدّ لها أن تُعنى بتطوير الشباب لديها من خلال إتاحة فرص التعليم بمختلف تنوّعاته واختصاصاته، إضافة إلى خلق فرص عمل يحتاجونها وتوفيرها لتدعيم معارفهم العلمية النظرية، فتكسبهم مهارات متنوّعة. وانطلاقاً من هذا، خصّت الأمم المتحدة هذا الجانب باهتمام ارتقى لأن يكون هناك يوماً عالمياً لمهارات الشباب عام 2014 والذي صادف في الخامس عشر من الجاري بهدف تطوير مهارات الطلاب الذين تراكمت لديهم المعلومات العلمية النظرية التي تحتاج إلى صقل من خلال التطبيق العملي. ولا أعتقد بأن تخصيص هذا التاريخ بالتحديد جاء مصادفة، فها هي الامتحانات الجامعية تُشارف على نهايتها لتبدأ العطلة الصيفية، التي تُعتبر متنفّساً للطلاب بعد ضغط الدراسة واستحقاقاتها.

غير أن هذه العطلة بالنسبة لطلاب كثر تُعدُّ فرصة للعمل سواء في الاختصاص الدراسي أو سواه، من أجل تأمين مختلف الحاجات المادية والدراسية، لاسيما الفئات الفقيرة أو أبناء محدودي الدخل الذين بالكاد يؤمّنون متطلبات معيشة أُسرِهم اليومية. فمنذ عقود بعيدة، كان عدد من طلاب الجامعة يعملون خلال العطلة الصيفية بغية تأمين بعض مستلزمات الدراسة، وهذا في اعتقادي ينطبق على أبناء الريف والمدينة على السواء، ذلك أن فكرة العمل بحدّ ذاتها مُحببة لدى بعض الأهل، أو حتى الطلاب الذين لا يرغبون في حالة الاسترخاء في البيت خلال الصيف، فكان الطلاب الريفيون يعملون مع ذويهم في الحقول، أمّا أبناء المدن فكانوا يرافقون آباءهم إلى العمل في محّالهم التجارية أو الصناعية، أو يعملون في مهنة تكون قريبة من اختصاصهم العلمي (محاسب مثلاً).

فلنتعرّف إلى منظور الطلاب للعطلة الصيفية من جهة، وللعمل فيها من جهة أخرى. معتز طالب في كلية الاقتصاد، يرى أن العطلة الصيفية بالنسبة إليه فترة استجمام بعد شهور من الدراسة والامتحانات استنفذت طاقاته ووقته. وأضاف أن هذه العطلة غير كافية لممارسة عمل قد يحتاج إلى وقت أطول كي يُتقنه، وبالتالي لا يرى فائدة من مضيعة الوقت بالبحث عن عمل.

غير أن لمهنّد الطالب في كلية الحقوق رأيّاً مختلفاً، فهو يرى أن العمل في العطلة يمنحه مهارات وخبرة في الأعمال التي من الممكن أن يجدها، إضافة إلى إمكانية التعرّف إلى الناس وأخلاقياتهم وتفكيرهم وسلوكياتهم بمختلف دوافعها، وبالتالي تكوين معارف علمية واجتماعية تساعده حين يُصبح محامياً في المستقبل، عدا عن توفير المال الذي يحتاجه في تأمين مستلزمات الدراسة والمعيشة باعتبار أسرته تقطن محافظة أخرى، وبالكاد يؤمّن الوالد متطلباتها، ومهنّد لا يُريد أن يكون عبئاً إضافياً عليه.

أمّا شيرين الطالبة في كلية الزراعة، فهي تعمل في أحد مشاتل الزهور ونباتات الزينة القريبة من الكلية، وترى أن هذا العمل يُعطيها الخبرة المطلوبة سواء أثناء الدراسة أو بعد التخرّج، كما أنها تحب عملها هذا وتستمتع بعطلتها التي تجعلها تمضي أوقاتاً أطول في المشتل برفقة الورود والنباتات التي تتعرّف إليها من قرب، ولا تنكر أنها في حاجة إلى المردود المادي لعملها، ذلك أنها من أسرة فقيرة لا تستطيع أن تؤمّن لها متطلبات دراستها وحياتها الجامعية كافة.

أيهم طالب في كلية الطب، يرى أن التغيير الذي حصل في وضع الجامعات منذ عقود قلّص العطلة الصيفية إلى بضعة أسابيع، باتت غير كافية حتى يستعيد أو يلتقط الطالب أنفاسه بعد امتحانات استنفدت وقته وجهده. كما أنها لا تكفيه للبحث عن عمل مهما كان متدنّياً في ظلّ البطالة المتنامية يوماً بعد آخر، وبالتالي تغدو هذه العطلة في زمن انفتاح الاقتصاد المفضي إلى مزيد من الفقر والبطالة والعطالة بكل أبعادها، مجرّد كوابيس وهواجس تنهش عقل الطالب وروحه، لأن الوضع المادي للأسرة يُعاني ما يعانيه من أجل البقاء على قيد الحياة لا أكثر. وبالتالي، يرى أن على إدارة الجامعات والهيئات الطالبية التابعة للاتحاد الوطني لطلاب سورية أن تُساهم في تأمين فرص عمل لهم تعود بمردود جيد على الطالب والجامعة معاً. نسرين طالبة صيدلة وتعمل في إحدى الصيدليات القريبة من سكنها، تقول إن عملها لا يقتصر فقط على العطلة الصيفية، بل هي ترتادها في كل وقت يتيحه لها الدوام الجامعي، وترى أنها محظوظة بهذا العمل الذي يُكسبها خبرة علمية وعملية في آن، فضلاً عن أن مردوده يساعدها في تأمين مستلزماتها الدراسية والمعيشية، لأنها لا تريد أن تعتمد على أسرتها في هذا الجانب على رغم الوضع المادي المقبول للأسرة.

في المقابل، أوضحت حنان أحمد المتخصصة في المبادرات الشبابية والتي تعمل مع أحد الفرق التطوّعية، أن على الشباب العمل واستثمار أوقاتهم سواء في العطلة الصيفية أو في أيّ وقت كان، لأن ذلك يؤدّي إلى الدخول في مسرح الحياة ويحقق الهوية، مُشيرة إلى أن نسبة العمل في العطلة الصيفية لا تزال متدنّية. فالأعمال التي توفّرها العطلة جزئية وطارئة لا تُشكّل مصدراً من شأنه أن يجعل الشباب يستثمر وقته بالطريقة المُثلى، ولاسيما إذا كان بعيداً من اختصاصهم الجامعي. بالتأكيد إن عمل الطالب في العطلة الصيفية يكسبه خبرة مهنية واجتماعية في آن، مثلما يُصقل شخصيته ويعوّده الاعتماد على الذات من جهة، وتحمّل المسؤولية والإدارة من جهة أخرى، وهذا رأي الاختصاصيين التربويين والنفسيين أيضاً. كما أن الواقع الذي فرضته الحرب، يُحتّم على الحكومة ممثّلة بالوزارات المعنية بأولئك الشباب (التربية والتعليم العالي إضافة إلى المنظمات التي تمثّلهم…) التعامل مع الطلاب من منطلق أنهم عماد المستقبل المنـــشود للدولة والمجتمع، بأن تدعمهم مادياً ومعنوياً من أجل إكمال دراستهم بأقل قـــــلق وتعب وعطالة تُعيق تحصيلهم العالي الذي نحن اليوم في أمسّ الحاجة له من أجل إعمار المجتمع وبنائه بعدما خلخلته الحرب من مختلف النواحي والاتجاهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open