الرئيسية / مقالات / من وجدَ الله فماذا فقد ..
نساء

من وجدَ الله فماذا فقد ..

ماجدة الحمدان

يقول الله عزوجل في كتابه العزيز ؛(إنّا خلقنا الإنسان أمشاجٍ نبتليه فجعلناهُ سميعاً بصيراً)

من حكمة الله أنه جعل حجته في كل ماخلق لئلا يكون للناس حجة على الله جلّ وعلا ولأن بداية الخلق ونهايته معلّقة بالله والإيمان به والعبادة المخلصة لوجهه شاء أن يمتحن كل ماخلق بطرق شتى والهدف واحد وهو الإخلاص والإقرار بعبودية الله ووحدانيته واستحقاقه المطلق بالعبادة ..

غير أنّ الإنسان الذي تميّز بعقله عن سائر الخلق لازال في دوامة الدنيا يصارع بعبادته يميناً وشمالاً لعدم استيفائه حقوق العبادة ..

السبب ،الابتلاء وهو أكبر وأقوى نعمة أوجدها الله على الإنسان وأقر بها لعباده في كتابه العزيز (أمشاجٍ )،منذ عقد نطفة الإنسان بدأت رحلة الشقاء فهي تبدأ بالماء المُهِين وتكبر وتكبر حتى تخرج من رحم الحياة مُخلقةٌ باسم الانسان وهي الرحلة الشاقة الأولى طفلٌ يخرج للحياة من ظلمات الرحم ..

هذه الجُزئية معروفة لدى الجميع بلاغبار ،لكن الله يقول فجعلناه سميعاً بصيراً ..

ولم يطلق سبحانه وتعالى لفظ السمع كسماع الانسان بأُ ذِنِه أو الرؤية ببصرِه ..

لكون بعض الخلق لايرى فهو كفيف ولايسمع فهو أصّم !

فقال سميعاً أي أن يشعر بالصوت ويستوعبه في جوارحه الأخرى كاستشعار الذبذبات باللمس أو الاهتزاز ..ويرى بالقلب دون العين وتسمى هذه الرؤية بالبصيرة ،وهذا نوع من النعم النادرة التي يتحصل عليها الإنسان بالرغم من بلائه في فقد الحواس .

وممايلفت الانتباه بشدة أنّ الله مهما حرم الإنسان من نعمة ما فهو مطلقاً يعوضه بأخرى لذلك فإن البلاء بشكل مطلق هو نقمة ظاهرة لمنْ لايقدّر حجة الله عليه بينما هي واقعاً نعمة كبرى باطنةً قليلٌ من يحمدالله ويشكره عليها حينما ينظر بقلبه أنها قد تكون قصراً جميلاً تقابل فقدها في الحياة الأخرى ..

ولوج العبد في التبحُر لتفسير هذه البلاءات وتحويلها الى سلسلة سعيدة في حياته هي مفتاح سحري لقلبِ الآية الى سعادة مطلقة خاصة ،

فحينما ننظر للآية بميزان معين ونضع الشق الأول (أمشاجٍ نبتليه )

وهو شق البلاء والشقاء في كل أطوار حياة الإنسان منذ انعقاد نطفته وحتى خروجه من رحم أمه إلى يكبر ويعمر في الأرض وتتوالى حياته بين مدٍ وجزر

إلى أن نضع الشق الآخر من الآية في الكفة الأخرى وهو (فجعلناه سميعاً بصيراً )

أي ختمنا عليه الاستشعار وإن لم يكن سامعاً ووهبنا له البصيرة وإن كان أعمى ،يعني أوجدنا له سبل الخلاص ووقعنا عليه ختم الرحمة وهديناه بجوارح تسعى لانتشال كل بلاء يقع عليك أيها الانسان ..

ومن الجميل ذكر عبارة الإمام علي عليه السلام في دعاء كميل (وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبدك طائعة وأشارت باستغفارك مذعنة ..)

فوق تلك العبارات وتحتها مُلأت شرحاً وافياً لفهم وتخطي البلاء بطريقة الجوارح وكيف يسعى بها المؤمن -إلى أوطان تعبدّك –

مخارج ومداخل يدافع بها المرء للدخول إلى مجال العبادة والخنوع لله واللجوء له ليُخلص نفسه من بلائه وحيرته وضياعه بعد شتات الذنب وانحراف النفس وقد ألحِقت عبارة السعي لله بالاستغفار وكأنما يهبنا الله البلاء وارتفاعه ،فقط بانتباه شديد تحويل كل مهلك إلى نعِم وفيوضات إلهية ومرور الروح من ضيق إلى سعة فقط بقرب الله ..

إن علاقة العبد مع ربه هي من تحدد نتيجة الامتحان الشاق ومدى فهم العبد لحكمة ربه واستيقانه أن كل بلاء هو واقعاً نعماً باطنة يستخرجها المرء بجوارحه وإيمانه وبشكره وبحمده وبمحاولات كثيرة بين الوقوع والنهوض ليصعد إلى درجات العشق الإلهي وجنة الله .

إذن من وجد الله فماذا فقد ؟!

تعليق واحد

  1. الحمد لله والشكر على ما وهب واعطى. جزيل الشكر للكاتبة الحمدان على هذا المقال العميق في التأمل والأكثر من رائع. اللهم زِد وبارك

اترك تعليقاً

Open