الرئيسية / مقالات / صياغة الإنسان في فكر الأمام الجواد عليه السلام

صياغة الإنسان في فكر الأمام الجواد عليه السلام

بدرية آل حمدان

من الدروس المستوحاة من حياة الامام الجواد (عليه السلام ) هي انه استشهد بعمر الشباب الغض خمسة وعشرون عاما ونعلم جيدا انه سلام الله عليه تسلم مهام الامامة والقيادة الدينية منذ السابعة من عمره الشريف فخلال هذه الاعوام الثمانية -قدم الامام الجواد الانموذج الحي والخالد في تاريخ ومسيرة البشرية.

فلنسأل انفسنا نحن ماذا فعلنا بسنوات شبابنا الذهبية -ولنترك الطفولة جانبا- كيف قضينا شبابنا واين؟ وكيف ربينا الشباب الان ؟؟؟ على شاشات التلفاز لمشاهدة المسلسلات التركية الماجنة ام البرامج التافهة وغير المفيدة ام بإضاعة لحظاتنا سدى بالأكل والنوم والجلوس على شاشات النت لساعات طويلة في منتصف الليل ووقت السحر لأشياء تافهة ونترك الصلاة والدعاء وذكر الله. فلنتعلم من حياة الامام الجواد ان نستثمر سنوات شبابنا الذهبية بما يرضي الله حتى التلفاز والانترنت نستثمره في خدمة الديننا ومجتمعنا . وحتى في عمرنا الناضج الان وقد تجاوزنا الخامسة والعشرين من عمرنا فلنسأل انفسنا هذا السؤال : هل مسيرة حياتنا مشرفة لنا ولعوائلنا واولادنا وعلى قدر لا بأس به من الاستقامة وعلى خطى محمد وال محمد من فدواتنا من شباب العصمة الامام الجواد والعباس وعلي الاكبر والقاسم سلام الله عليهم اجمعين .

فمن قصد البحر استقل السواقيا) كما يقول المتنبي. فعظمة وصاياه (عليه السلام) تكمن في أنها تنقل الإنسان نقلة نوعية إلى الأمام، وتدفعه نحو اقتناص كل مأثرة تثري سلوكه وتقومه وترفع من رصيد مهاراته وتهبه الصمود بوجه التغييرات الحياتية، بل إنها تُمثِّل وسيلة لفهم الإنسان نفسه.. كيف لا وقد خرجت من فم إنسان له روح شماء تتوق نفسه لتربية مجتمع سوي، بعد أن خبر الحياة بعقله الراجح وبقلبه الذي يضج بالمعرفة اللدنية التي تغور وراء الظواهر، ونظر للأمر بمنظار الوعي الثاقب، لذلك كان حكيماً تمام الحكمة عندما أرشد، وعندما أصلح، وعندما وعظ، واضعاً كل شيء في موضعه.. ومن بين باقة الكلمات العسجدية التي جرت على لسانه (عليه السلام) والتي أفاد بها كل إنسان نبيه يطمح في ترقي أنماطه وطباعه الحياتية، ما يلي:

الاولى/التفنن في التعامل مع الواقع هناك سبل يسَّرها لنا الإمام الجواد (عليه السلام) تُعين الإنسان على حل الأزمات والصمود بوجه المتغيرات، ويعد حسن الظن بالله وتوكيل الأمر إليه تعالى في طليعة تلك السُبل، لأن مسالك البشر من دون توفيقه سبحانه لن تكون درعاً يصد بلاء ما ينزل في ساحة أحدهم، فليس للإنسان أن يعتمد على مكره أو حيلته في حل أزمة غزته أو ملمّة ألمّت به من هنا أو هناك، فيقول (عليه السلام): (التوكل على الله نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو)، وأيضاً عنه (عليه السلام): (من توكّل على الله كفاه الأمور)، من هنا وجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله ويثق به ثقة عمياء، ويتيقن تمام اليقين أنه جل في علاه القوة المطلقة، وهو المدبر الذي يفتح لنا سبل وطرق المعالجة لتحديات الحياة،

أما السبيل الثاني /الذي يدار به الأزمة من وجهة نظر الإمام (عليه السلام) كان هو الصبر، وهذا الأخير يعتبر وبجدارة محكَّ قوة وصلابة الإنسان بوجه المحن وما أكثرها في حياته، يقول (عليه السلام): (من طلب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً)، وقد أثبتت التجربة في الواقع المعاش أن الصبر الجميل هو الذي يغير مسار الكثير من الأمور وكفاه إنه يطوق الأزمة ويعمل على محاصرتها وعدم تفاقمها، فيصبّر الإنسان أو يتصبر بحيث لا يرى عليه آثار الانكسار أو الضعف حتى لا يشمت به عدو وعند ذاك يزداد الطين بلّة، فقد أراد الإمام (عليه السلام) للإنسان أن يواجه أزمته بصبر وثبات حتى تكون النتيجة عكسية على الشامت، فقال (عليه السلام): (الصبر على المصيبة مصيبة للشامت)، وكانت الخبرة التي تولدت من التجربة طريقة وقائية

ثالثة/ يُطلعنا عليها الإمام تقينا العاقبة المتعبة، فالإنسان كائن يصاحبه النقص والعوز في مجمل مفاصل حياته وفي مختلف مراحلها لذلك عليه أن يستفيد من تجاربه وتجارب غيره على حدٍ سواء، فيقول (عليه السلام): (من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة، فقد عرض نفسه للهلكة والعاقبة المتعبة)، وقال(ع): (من لم يعرف الموارد أعيته المصادر)، وقال (عليه السلام): (من ركب مركب العمر اهتدى إلى مضمار النصر). جاهد الأهواء كما تجاهد الأعداء لما كانت الرغبات شديدة الرسوخ في النفس الإنسانية، والحياة تملؤها المغريات، ما كان على الإنسان إلا أن يكون في مواجهة مستمرة مع عاديات كل هذا وذاك، فنفسه الأمارة بالسوء من جهة ومحيطه الموبوء من الأخرى يريدان منه أن يقع أسير هواه، وما أخطر أن يعيش الإنسان تحت رحمة هواه ويسعى لرضاه ويأتمر بأمره وينتهي بنهاه عندما لا يرى ولا يسمع سواه،

هكذا إنسان تكون نهايته الخسران والخذلان، لذلك سعى الإمام (عليه السلام) أن يحرر الإنسان من طوق الهوى فيعيش حراً لا عبداً له، فما الهوى إلا عدوٌّ متبع كما عبر عنه (عليه السلام) عندما قال: (من أطاع هواه أعطى عدوَّه مناه)

، وارفض الشَّهوات، وخالف الهوى، واعلم أنَّك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون)، وأيضاً عنه (عليه السلام): (لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه)، ليس هذا فحسب بل إن الإمام (عليه السلام) يرى أن تمدد الهوى في روح الإنسان يجلب له المتاعب التي لا حصر لها فيقع دائماً في المطبات والمنزلقات في حياته لأنه لا يتورع عن عمل الموبقات، لأن الهوى يُشكل حاجزاً فولاذياً يمنع العقل من التعقل والتفكير السليم، وهذا عين ما نبه عليه (عليه السلام) عندما قال: (راكب الشهوات لا تستقال له عثرة)، فالأولى بالإنسان الحاذق أن لا يخاطر براحة باله، بل عليه أن يجتهد في أن يجعل حياته مستقرة هانئة وهذا لا يقع ما لم تكن له إرادة صلبة تردع وتصد عاديات الأهواء التي تكون سبباً لكل بلاء. تهذيب الجوارح والجوانح الجوارح هي أدوات الإنسان في حراكه نحو الفلاح الدنيوي والأخروي،

_________________

مصدر التوثيق للمقال؛
١ /منتدى الكفيل
٢/العتبة الكاظمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open