الرئيسية / مقالات / روافد موسوعية العلامة الفضلي

روافد موسوعية العلامة الفضلي

خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) - (12)
سعيد حسن المطرود

عاش الشيخُ مُنْذُ نعومةِ أظفاره بين إضبارات مكتبة والده الفقيه الميرزا محسن الفضلي – عليه الرحمة – في قرية «صبخة العرب»، بالبصرة الفيحاء.

درسَ الابتدائيةَ في مدارسِها، تخرجَ فيها بإتقان القراءة والكتابةَ والحساب. ..

فتحت الدراسة النظامية والحوزوية آفاقًا رحبة في مستقبله العلمي.

فقد كان متميزا في دراسته الحوزوية والنظامية ولا يرضى لنفسه غير التفوق والتميز بدلًا، فاق أقرانه على حداثة سنه، كما شهد له العلماء بذلك، حيث ذكرنا بعض تلك الشهادات في خواطر سابقة، كشهادة المحقق الشيخ آقا بزرك الطهراني في حقه، وذلك عندما وصفه: «بأنه فاق أقرانه على حداثة سنه ..».

حضرتُ مجلسه المبارك لسنوات طويلة بالدمام مستمعًا للمناقشات الفكرية والأطروحات العلمية المتنوعة التي يجيب بها سائليه، ومستفسرًا في بعض الأحايين، وفِي كل زيارة كنّا نخرج بالجديد المفيد. فسماحته لا يجيب عن أسئلتك فقط، وإنما يدلّك على مصدر المعلومة ومراجعها، حتى أنني كنتُ أحدّث نفسي (وقد سمعتها من مرتادين آخرين): «متى سنح للشيخ كل هذا الوقت للمطالعة والبحث، مع كثرة مشاغله وكبر سنه ومروره بظروفٍ صحيةٍ في آخر لقاءاتنا به (ره)، حتى يضع يدك على المصادر والمراجع سواء أكانت في الكتب والمجلات أم في الدوريات العلمية؟».

فبسبب همته العالية وشغفه بالمعرفة غير المحدود، أتعب جسده، فكان (ره) مصداقًا حقيقيًّا لبيت المتنبي:

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

وللشيخ (ره) تعلّق عجيب بالقراءة والكتاب والمكتبات، وهو ما ألمحتُ إليه في خواطر سابقة.

كقول علامتنا الفضلي في الحوار الذي أجراه معه الأستاذ حسين الشيخ في كتابه (الدكتور عبدالهادي الفضلي تأريخ ووثائق)، وهو في صدد الحديث عن نشاطه العلمي في النجف والقاهرة، مثلًا:

-«كنتُ أقضي أكثر وقتي في المكتبات، ومنها مكتبة الشيخ كاشف الغطاء، ومكتبة الحسينية الشوشترية، ومكتبة أمير المؤمنين (ع)»

-«كنتُ أقضي معظم وقتي في مكتبات جامعة القاهرة، وجامعة الأزهر، ودار الكتب المصرية، ومعهد المخطوطات العربية»

وسأتعرض – بإذن الله – في هذه الخاطرة بشيء من التفصيل فيما يخص الروافد الثقافية والاجتماعية في موسوعية علامتنا الفضلي:

البصرة بداية الانطلاق الثقافي

هناك عدة عوامل ساعدت على صقل شخصية العلامة الفضلي العلمية والثقافية، إليكها:

١- التثقيف الذاتي:

– يروي لنا ابنه المرحوم المهندس فؤاد (ره) تلكم البدايات في كتابه (قراءات في فكر العلامة الفضلي)، ص 20-19، نقلًا عن أبيه: «… تشكلت في البصرة يومها مجموعات شبابية، وكان أفراد كل مجموعة منها – وعادة تجمعهم تقارب ما – يقومون بالاشتراك ماديًّا لاقتناء وقراءة الجديد من إصدارات المجلات والكتب، وكان الفضلي يشكل مع الشيخ جعفر الهلالي والشيخ عبد الأمير الضفاري مجموعة، ويذكر أن مجموعته كانت تشتري وتقرأ: سلسلات:

– كتاب (اقرأ)

– و(كتابي)

– و(الألف كتاب)

– و(حديث الشهر)

ومن المجلات:

المختار والمعلم الجديد والمقاطع والرسالة والكتاب والكاتب المصري والهلال».

٢- الجو الثقافي والأدبي في البصرة:

– ويحدثنا سماحته عن تأثره بالجو الأدبي البصري الذي كان له دور كبير في تكوين شخصيته الثقافية قائلًا:

«منذ الصغر كنت ألتقي أدباء البصرة، كالشاعر بدر شاكر السياب، وعميد الأدب البصري الأستاذ محمد جواد جلال، والأديب صادق مكي حسن، وآخرين، كما زاملت الكثير من الشباب المتأدبين هناك، فعشت جوًّا أدبيًّا وثقافيًّا، مما دفعني للكتابة، فبدأت أكتب وأنشر في الصحف، ثم اتجهت للتأليف …»، راجع: حوارات مع الدكتور عبدالهادي الفضلي ص 15.

٣- الاهتمام الخاص من قبل والده الميرزا الفضلي:

تحدثنا – أيها القارئ العزيز – في الخاطرة السابعة القسم الثاني عن بداياته الحوزوية المبكرة، وأن والده الفقيه الميرزا أجيز بالاجتهاد من قبل كبار الفقهاء والمجتهدين في النجف الأشرف من أمثال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المتوفى ١٣٧٣هـ، والشيخ حبيب بن قرين المتوفى ١٣٦٣هـ، وتسالم بقية الفقهاء على فقاهته، حيث يظهر جليًّا من الوكالات الشرعية المعطاة له.

ولكثرة تردده على البصرة عرف بين علمائها، واشتهر بين أهلها حتى أنهم رغبوا أن يقيم بين ظهرانيهم مبلغًا ومرشدًا، فاتصلوا بالمرجع الأعلى آنذاك في النجف الأشرف وهو السيد أبو الحسن الأصفهاني (ره)، فعيّنه وكيلًا عنه في البصرة. راجع: هكذا قرأتهم، للعلامة الفضلي، ج1/ ٢٠٥.

وأثناء إقامة العائلة الكريمة في البصرة، وتشجيعًا من والداته السيدة عقيلة البطاط (ره) له على الدراسة الحوزوية باكرًا وبعد إنهائه للصف الرابع الابتدائية، عرضت على أبيه تدريسه المقدمات، فشرع والده الميرزا بتدريسه مقدمات المتون الحوزوية في النحو والصرف والمنطق والبلاغة فلما اشتد عوده، عرض عليه أبيه التوجه للنجف الأشرف، حيث الحوزة العلمية الكبرى وهو في سن الرابعة عشرة من عمره، وكان ذلك عام ١٣٦٨ﻫ.

٤- ملازمته للمجالس العلمية لوالده في البصرة والنجف الأشرف:

من يقلب صفحات الترجمة التي كتبها الشيخ عبدالهادي الفضلي عن أبيه (ره) بعد مرور أربعين يومًا من وفاته: (ذكرى أبي)، يجد الشيخ الفضلي الابن حاضرًا لتلكم المجالس العلمية الخاصة التي تدار فيها المسائل العلمية المتعددة التخصصية بين الميرزا وبين العلماء، وسأنقل لك قارئي العزيز شاهدًا من تلك الشواهد:

«وكان إلى جانب فقاهته متخصّصًا بالحكمة الإلهية (الفلسفة الإلهية)، وعلم الكلام، متأصلًا في فهم نظرياتهما، متعمقًا في سبر أغوارها.

أبان عن هذا: مناقشاته الفكرية، وحواراته التي كانت تدور بينه وبين أقرانه، وقد حضرتُ غَيْرَ قليلٍ منها، واستمعتُ لما كان يدور فيها …»، راجع: هكذا قرأتهم، ج١/ ١٨٤.

ويقول في سياق آخر في الترجمة نفسها ما يدل على استفادته الكبيرة من والده الفقيه الميرزا الفضلي:

«لكثرة لقاءاتي العلمية به للاستفادة من تحليلاته وتوجيهاته وآرائه، أحفظ شيئًا من آرائه العلمية لبعض المسائل …» (هكذا قرأتهم، ج١/ ٢٥٤).

«وعلى عادة الوالد (قده)، كان في كل مجلس يحلُّ بِه من مجالس هؤلاء العلماء، يحوّله إلى مجلس علمي ثقافي مفيد بِما يطرح فيه من مسائل علمية، وبما يثير من مشكلات فكرية، يتبادل فيها المعلومات بينه وبينهم. وكما كان الوالد يزورهم في مجالسهم، كانوا يردون إليه الزيارة في المنزل الذي يقيم فيه.

*ففي منزلي – بدء ذهابي إلى النجف – زاره الشيخ آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا آل ياسين، والسيد جواد التبريزي، والسيد محمد سعيد الحكيم، والسيد مرتضى آل ياسين وآخرون …» (هكذا قرأتهم، ج١/ ٢٢٩).

وما فتئ الفقيه الميرزا الفضلي، مشجعًا ابنه العلامة الشيخ عبدالهادي على تأليف كتابه في الفقه الاستدلالي (دروس في فقه الإمامية) الذي قصد من تأليفه أن يكون مساعدًا للطلبة في المسار الفقهي الشرعي لحضور الدراسات العليا في الفقه، وهو ما يسمى بـ (البحث الخارج) وهو آخر مرحلة في الدراسات الحوزوية. يقول في هذا الصدد في مقدمة كتابه (دروس في فقه الإمامية)، ج١:

*«كما يجب عليّ أن أذكر – هنا – سماحة سيدي الوالد (قده) الذي ما فتئ منذ أن كان الموضوع فكرة يحثني على إنجازه، ويشجعني كلما تشرفتُ بخدمته.

وكان له (قده) فضل الإشراف عليه، فقد كنتُ كلما أعددتُ فصلًا منه أو فصولًا، وتشرفتُ بالاجتماع به في (جدة) أو (سيهات) أقرأ له ما أنجزتُ فيستمع لي بكل إصغاء، ويزودني بعد ذلك بملاحظاته القيّمة وتوجيهاته السديدة.

واستمر الوضع على هذا حتى أواخر القسم الثاني من البحث حيثُ وافاهُ الأجل وارتحل إلى ربه تعالى راضيًا مرضيًّا، وخسرتُ بفقده المشرف والموجّه، تغمده الله تعالى بواسع رحمته، كِفَاءَ ما قدّم من خدمة لفقه آل محمد تعُلمًا وتعليمًا، وإرشادًا، وبعث ثواب عملي هذا إلى روحه الطاهرة»*

٥- رحلته للنجف الأشرف في عصرها الذهبي:

يقول عن تلك الحقبة:

*«كنتُ أعدُّ الفترة التي عشتُها في النجف الأشرف طالبًا في حوزتها ومُدرسًا، الفترة الممتدة في أواخر الستينيات من القرن الماضي أي الرابع عشر الهجري إلى أوائل التسعينيات، وهي مدة ربع قرن. كنتُ أعدّها الفترة الذهبية أو قل العصر الذهبي للحركة الثقافية في النجف الأشرف لبلوغها أعلى المستويات في تطور المرجعية وتطور الدرس الحوزوي، وفِي الانفتاح الذهني والانطلاق الفكري في كل مجالاتها:

في العلم الديني، والخطابة الحسينية، والأدب العربي شعرًا ونثرًا .

وفِي النثر: دوريات وأسفارًا من كتب مفردة وموسوعات ومطابع ومعاهد وجمعيات ثقافية ومجالس أدبية ومكتبات عامة ، ولكن يا للأسف – مُنيت بالهجوم الوحشي من أذناب الإمبرالية العالمية مذهبيين وحزبيين، وكان ما كان. ولا تسل عن التفصيل، فإنه ذو شجون مُرة ومريرة»*. (حوارات في الدين والفكر واللغة مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، ص ١٨٤-١٨٥).

٦- الأساتذة المميزين في الحوزة والجامعة:

كان الشيخ الفضلي (ره) يستثمر كل مناسبة في مجلسه العامر بالدمام أم في محاضراته ودروسه أو في كتبه وأبحاثه ومقالاته ليذكر فيها أساتذته الكبار بكل تقدير واحترام ويعزو لهم الفضل في مستواه العلمي والثقافي، وأبرزهم:

⁃ (أبوه الميرزا الفضلي) ( ت ١٤٠٩هـ).

– (السيد محسن الحكيم ) (ت ١٣٩٠هـ) في الفقه.

– (السيد أبو القاسم الخوئي ) (ت ١٤١٣هـ) في الفقه وأصوله.

⁃ (الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ) (ت ١٣٨٤هـ) في أصول الفقه.

– (الشيخ محمد رضا المظفر) (ت ١٣٨٣هـ) في الأصول والفلسفة.

⁃ (الشهيد السيد محمد باقر الصدر) (ت ١٤٠٠هـ)، حضر عنده درسًا خاًصا في الفقه.

⁃ (السيد محمد تقي الحكيم ) (ت ١٤٢٣هـ) في أصول الفقه.

⁃ (الشيخ محمد أمين زين الدين ) (ت ١٤١٩هـ) حضر عنده درسا في فن كتابة المقالة الأدبية، وهو أول درس من نوعه في النجف الأشرف، كما أفاد كثيرا من مكتبته العامرة عندما سكن مؤقتًا في غرفته في مدرسة الآخوند الوسطى في النجف الأشرف.

وفِي الدراسات الأكاديمية في جامعة بغداد:

⁃ (الدكتور مصطفى جواد) (ت ١٣٨٩هـ ) في الدراسات العليا لمرحلة الماجستير بجامعة بغداد

⁃ (الدكتور إبراهيم السامرائي) (ت ١٤٢٢هـ) في الدراسات العليا لمرحلة الماجستير بجامعة بغداد.

رحمهم الله تعالى أجمعين.

٧- تجربته العميقة والطويلة في مجال التدريس التي قاربت الأربعين عامًا:

لقد اكتسب علامتنا الفضلي من تدريسه في الحوزة والجامعة تجربة عميقة ما جعله من الأساتذة البارزين .. وتوزعت مديات تدريسه على عدة جهات:

أ-الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ودرّس فيها ما يقرب من عشرين عامًا.

ب- كلية الفقه بالنجف الأشرف.

ج – مدارس منتدى النشر للمرحلتين المتوسطة والثانوية بالنجف الأشرف.

وكانت مدة تدريسه في كلية الفقه ومدارس منتدى النشر ١٥ عامًا.

د- جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ودرّس فيها ١٨ عامًا.

هـ- كلية الشريعة التابعة للجامعة الإسلامية بلندن، وقد شرع في التدريس فيها بعد تقاعده من جامعة الملك عبدالعزيز من عام ١٤٠٩هـ إلى ١٤١١هـ للمواد التالية:

⁃ المنطق

⁃ تأريخ التشريع الإسلامي

⁃ أصول علم الرجال

⁃ أصول علم الحديث

٨- تجربته الاجتماعية والثقافية والسياسية في العراق:

حيث كان من الرواد الأوائل في الحركة الإسلامية في العراق التي كان تحت مظلة المرجع الديني السيد محسن الحكيم وبإشراف مباشر من الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ره).

كما انضم إلى عدة جمعيات ثقافية في العراق، وهي:

⁃ جمعية (الرابطة الأدبية).

⁃ هيئة تحرير( مجلة الأضواء).

⁃ جمعية (منتدى النشر).

⁃ مجلس (كلية الفقه) في النجف الأشرف.

⁃ هيئة تحرير (مجلة النجف).

⁃ مدارس (منتدى النشر).

⁃ ويضاف إلى ذلك أنه كان محاضرًا في المناسبات الدينية المختلفة في العراق، وخصوصًا في مكتبات المرجع الديني السيد محسن الحكيم والتي يفوق عددها الخمسين مكتبة كما صرح بذلك علامتنا الفضلي في الحوار الذي أجراه معه الدكتور السيد جودت القزويني عن تجربته في الحركة الإسلامية في العراق. راجع: (الحركة الإسلامية في العراق)، منشورات لجنة مؤلفات العلّامة الفضلي، ص ٨٥.

٩- نشاطه العلمي في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة:

⁃ الرئيس الأول والمؤسس لقسم اللغة العربية فيها.

⁃ العضو الدائم في لجنة المخطوطات بمكتبة جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.

⁃ العضو في هيئة تحرير نشرة (أخبار الجامعة) في الجامعة نفسها.

⁃ الخبير المحكِّم لجملة من أبحاث الترقية العلمية.

⁃ العضو في النادي الثقافي الأدبي بجدة.

١٠- مشاركته في وضع المناهج الدراسية لبعض الجامعات والكليات، منها:

⁃ كلية أصول الدين ببغداد الذي كان يترأسها السيد مرتضى العسكري.

⁃ جامعة آل البيت بمدينة قم المقدسة.

⁃ كلية الشريعة التابعة للجامعة الإسلامية بلندن.

والجدير بالذكر أنه كان عضوًا فعالا في المجمع العالمي لأهل البيت ( ع) .

كل هذه الروافد العشرة جعلت من علامتنا الفضلي (ره) شخصية موسوعية فذة.

رحم الله شيخنا الفضلي، وحشره مع المعصومين (ع)

تعليق واحد

  1. أبو محمد القديح

    هؤلاء من يغمروا أنفسهم بالعلم غمرا …
    رحمك الله يا شيخنا الفضلي واكثر الله من امثالك في زمننا هذا بالخصوص حيث لوحظ الندرة في طالبي العلم مع توافر كل الوسائل التي لم تكن متوفرة في ذلك الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open