الرئيسية / مقالات / «المناحة العظيمة»

«المناحة العظيمة»

- كتاب في مقالة -
رضي الحصار

■● سلسلة كتاب في مقالة ●■

● اسم الكتاب : المناحة العظيمة / الجذور التاريخية لطقوس البكاء في الجاهلية واﻹسلام .

● المؤلف : فاضل الربيعي .

● الناشر : جداول .

● الطبعة : اﻷولى 2011

● عدد الصفحات 288

☆●☆●☆●☆●☆

ينتقد المؤلف فاضل الربيعي التفسير الذي يقدم في بعض اﻷوساط الثقافية عن سبب بكاء الشيعة كل عام وهذه المناحة العظيمة في عاشوراء اﻹمام الحسين عليه السلام ؛ بأنها ناشئة عن السيطرة الفارسية على العراق وتأثيراتها الثقافية التي خلفتها وراءها في الحقب التاريخية الماضية ! بأنها ” فكرة ” واهية من أساسها ، بل لا أساس لها . ففي نظره ” أن الربط بين هذه الطقوس ووجود عامل ثقافي سياسي خارجي لا يبدو مقبولا تحت أي ظرف ، وهو تفسير باطل ولا أساس له في التاريخ ، ويؤدي – في حال تقبله – إلى تخريب المنطق العلمي والموضوعي الذي يجب أن يسود في أوساطنا ” . لقد جاء كتابه هذا لغاية سطرها في مقدمته بقوله ” .. إن الطريقة المثلى والعلمية المستندة إلى قواعد البحث الرصين والموضوعي يجب أن تنطلق من أرضية أخرى غير أرضية الفرضيات الرائجة الباطلة والمزيفة ، والتي جرى توظيفها إما للإساءة والمس بعقيدة أبناء الشيعة ، أو بقصد نشر اﻷضاليل عن الجذور التاريخية لهذه الطقوس . وليس ثمة من سبيل إلى الحد من تأثير هذا التوظيف المغرض سوى إعادة وضع طقوس البكاء هذه في إطارها التاريخي الصحيح ؛ ﻷن العراقيين القدماء مارسوا هذا النوع من المناحة الدينية الجماعية على امتداد تاريخهم قبل اﻹسلام بعشرات القرون . “.

خلص الربيعي من دراسته أن عقيدة النواح الديني القديمة ذات الطابع العالمي ، والتي جمعت العراقيين والفرس وشعوبا أخرى كانت بفعل عاملين هما :

1- أن ” بابل ” كانت القوة العظمى المهيمنة التي فرضت على الكثير من القبائل العربية في طفولتها البعيدة أديانها الوثنية بفعل سيطرتها السياسية والعسكرية والثقافية ، والتي أسست ( عقيدة البكاء على تموز ) ، وأن الرموز الدينية الحالية كالصليب والهلال ؛ بل حتى ماعرف لاحقا (بنجمة داود / نجمة عشتار ) إنما هي افرازات لرموز دينيةبابلية .

وهذا بالطبع قبل ظهور ” فارس””على مسرح التاريخ بقرون عديدة كقوة عظمى في التاريخ القديم .

2- إن هذه القوة اﻹمبراطورية كانت تملك دينا وثنيا كبيرا لم تصمد أمامه الديانات الوثنية الصغيرة والمبعثرة ، وكانت له فوق ذلك تقاليد وطقوس واحتفالات تقام سنويا في صورة مواكب دموع ونواح على اﻹله المقتول المتمثل في ( تموز ) رمز الخصب والنماء .

كما أن طقوس المناحة الجماعية الدينية كانت تجري بالطريقة ذاتها تقريبا في مصر على ( ايزيروس ).

هذان العاملان المركزيان كانا وراء انتشار ” ثقافة البكاء القديمة ” . وقد لاحظ علماء اﻵثار والتاريخ أن الكثير من الليتورجيات السومرية والبابلية ( النصوص الدينية ) واﻷدعية التي كانت تترنم بها جوقات المعابد في عام 2300 ق .م ، ظلت مستمرة وحية بين الناس في كل مدن بلاد ما بين النهرين على امتداد القرون التالية حتى الحقبة السلوقية ما بعد وفاة اﻹسكندر المقدوني ؛ أي أن تقاليد البكاء على تموز ظلت متواصلة في العراق القديم ما يزيد على ألفي سنة .

جاء كتاب ” المناحة العظيمة ” في فصول أربعة ، كان اﻷول منها هو اﻷهم من بينها باسم ” من تموز إلى الحسين ومن بابل إلى كربلاء ( تاريخ المناحة العظيمة ) ” .

نثر الربيعي رأيه على صفحات هذا الفصل التي بلغت ( 113 صفحة ) مستعرضا المسيرة التاريخيةللمناحة وطقوس البكاء في العراق ومصر عن اﻹلهيين ( تموز وأزيروس ) وما يصاحبهما من غناء وأناشيد حزينة في المعابد المخصصة لهذه الطقوس . وينقل من كتاب المؤرخ اﻹغريقي المشهور ‘ هيرودوت ‘ ( وصف مصر ) كشاهد معاصر لطقوس البكاء في معبد إيزيس على أخيها المقتول إيزيروس فيقول : ” أما كيف يقيمون – أي المصريين – الاحتفال ﻹيزيس في مدينة فوسيريس فقد قلته فيما سبق ، إذ أنهم جميعا رجالا ونساء يضربون صدورهم بعد أن يقدموا اﻷضحية تعبيرا عن الحزن ، وهم يكونون عشرات اﻵلاف من البشر ، أما من أجل من يضربون صدورهم فإنه من غير اللائق أن أقوله . أما الذين يكونون كاريين ( من كار ) ويسكنون مصر ، فإن هؤلاء يفعلون أشياء أكثر من ذلك حيث إنهم يجرحون جباههم بالسكاكين ، وبذلك يعرفون ويظهرون أمام الجميع أنهم أجانب وليسوا مصريين “. ص17

هذه الصورة في طقوس البكاء والنواح لم تنقطع أبدا ، وأصبحت كالعهدة الثقافية يقدمها السابق للاحق وتتجلى في صورة جديدة لذلك العهد . فها هو الربيعي ينقل عن ابن وحشية في كتابه عن كيفية تمثلات هذا الراسب الثقافي عند “الصابئة ” واحيائهم لطقوس البكاء على تموز ، حتى أن قسما من تهامة يحضر لتلك المناحة على تموز في موسم رسمي . وظهرت بعد ذلك العهد صورة البكاء والمناحة عند المسيحيين كما ينص عليها ” ابن وحشية في كتابه ” في صورة البكاء على ” جورجيس ” فيتعجب الربيعي من ” طاقة الراسب الثقافي على اختراق اﻷديان والعصور “!!

واستمر هذا الرافد في ثقافة البكاء متواصلا في مسيرته في ظل العهد اﻹسلامي في صورة البكاء على اﻹمام الحسين عليه السلام في عاشوراء ” فالنواح الديني عند الشيعة المعاصرين ليس ممارسة غريبة أو منقطعة الجذور ، وليس تقليدا خارجا عن قواعد الدين واﻷعراف كما يزعم …. إن المشكلة في فهم أسرار هذه الطقوس لا يكمن في وجود طابع غرائبي في الممارسة وإنما في غياب المعرفة المنهجية والعلمية المستندة إلى التاريخ والثقافة ، وبأهمية دراسة طبيعتها وظروف نشأتها ووظائفها الروحية العميقة كذلك “.

في فصل 《 بابل وكربلاء 》يقدم الربيعي قراءة جديدة للمعنى اللغوي لمسمى (كربلاء ) ويرفض بشدة المعاني التي خرج بها اللغويون في تفسير معنى كربلاء ، يقول :” … وهذه التأويلات اللغوية إجمالا لا تبدو مقنعة ، وتنطوي على الكثير من التلفيق اللغوي الذي تميز به بعض اللغويين العرب ممن كانوا يضطرون إلى تلفيق معان لكلمات لا يعرفون أصلها أو جذرها اللغوي . إن اسم كربلاء من – وجهة نظرنا – يتضمن معنيين : ‘كر’ بمعنى قرية ، وفي اﻷكدية والعربية ‘كور’ ، واﻵرامية ” كر’ وأما في العبرية فهي ‘ كر’ بتشديد حرف الراء …. وفي المعنى الثاني بلاء أو بيلاء فإنها تؤدي كما اﻷكدية والعربية واﻵرامية والعبرية إلى معنى ‘ الحزن ‘ والبلاء وهو الموت والمصيبة والمصاب اﻷليم . ولذلك فكربلاء تعني ‘ قرية الحزن ‘ أو قرية المصاب – المصيبة – البلاء . والبابليون كانوا يسمونها ( كور بابل ).

وهو يشير صراحة إلى أن المقصود منه القرى التي كان تجري فيها الاحتفالات بموت وبعث تموز أو تلك التي تنتشر فيها بيوت عبادته “.

وبعد ذلك يقول الربيعي :” والمثير للاهتمام أن الفرثيين ( الفرس القدماء ) قبل احتلال بابل وسقوط حكم ‘ نبو نعيد ‘ آخر إمبراطور عراقي عام ( 539 ق.م ) كانوا يشاركون البابليين في بناء معابد عشتار . ويذكر ‘هاري ساكر ‘ في كتابه ( عظمة بابل ) أن أفواجا من المواطنين الفرس كانوا يصلون سنويا إلى العاصمة البابلية للمشاركة في المناحة العظيمة على تموز “. وكما لاحظ معظم علماء اﻵشوريات ، فقد كانت اﻹلهة ‘ عشتار ‘ إلهة الخصب العالمية تلعب دور شقيقة تموز طبقا للعقيدة وأساطيرها … إن الفضاء الجغرافي لهذه القرية المقدسة ضم على مر التاريخ – ويا للعجب – وفي استمرارية مدهشة ثلاثة عواصم كبرى للمناحة هي ( بابل ) العاصمة اﻹمبراطورية القديمة ( انهارت نحو 539 ق.م ) ، و( عاقولاء / الحيرة ) المملكة العظيمة التي تمددت طولا وعرضا وانتهت عشية اﻹسلام ، (والكوفة ) عاصمة الخلافة اﻹسلامية ( بدأت 132 هج ) .

إن تقاليد التواصل الديني ظلت قوية ومتجددة برغم تبدل اﻷديان وانتقال فكرة المقدس من الوثنية إلى التوحيد .

رضي الحصار 2016/ 11/1

1438/2/1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open