الرئيسية / مقالات / «ما بعد الإمبراطورية» .. دراسة في تفكك النظام الأمريكي

«ما بعد الإمبراطورية» .. دراسة في تفكك النظام الأمريكي

- كتاب في مقالة -
رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2018 ….. 14

● اسم الكتاب : ما بعد الإمبراطورية -دراسة في تفكك النظام الأمريكي .

● المؤلف : إيمانويل تود .

● ترجمة : محمد زكريا إسماعيل

● الناشر : دار الساقي – لبنان .

● الطبعة : الثانية 2004

● عدد الصفحات : 223 صفحة

☆●☆●☆●☆●☆●☆

الولايات المتحدة الأمريكية لن تخرق قانون الوجود ومسيرة التاريخ البشري ببقائها للأبد ، بل حالها حال بقية الإمبراطوريات التي وجدت في التاريخ البشري سيسدل كِتاب التاريخ عليها ستارته لتدرج ضمن فصوله كإمبراطورية سادت ثم بادت ، وساعة زوالها مخبوءة في ساعة زمن وجودها . وقد شهدنا في تسعينيات القرن الماضي زوال إمبراطورية الإتحاد السوفيتي ، فهل نشهد زوال إمبراطورية الولايات المتحدة في قرننا هذا ؟ ومتى سيكون ذلك ؟ هذا ما سوف يحاول الإجابة عنه إيمانويل تود في كتابه ( ما بعد الإمبراطورية ) .

استقلت أمريكا عام 1776م فكان ذلك بداية انفصالها عن العالم القديم الفاسد أوربا ، كان هذا الإنفكاك أحد “الأساطير المؤسسة لأمريكا ” على حد قول المؤلف . ” لقد اختارت أمريكا باعتبارها أرض الحرية والوفرة والكمال الأخلاقي !! أن تتطور وتنمو مستقلة عن أوربا بدون أن تتدخل في النزاعات المهينة للشعوب الصلفة في القارة القديمة ” ، مما جعلها تتطور بهدوء ومكنها في نهاية القرن التاسع عشر أن تملك أقوى اقتصاد عالمي ، فكانت أكثر الدول اكتفاء ذاتيا بفضل إنتاج ضخم من المواد الأولية وفيض كبير في الميزان التجاري . كانت تشكل عام 1945م نصف الإنتاج العالمي ، ولذلك لم تكن في حاجة إلى العالم على الصعيد الاقتصادي ، بينما كان العالم في حاجة إليها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي .

كانت أمريكا في بداية القرن العشرين في غنى عن العالم ، غير أن حادثة الهجوم على ميناء ” بيرل هاربر ” 1941م ، وإعلان ألمانيا الحرب على أمريكا كان ذلك بداية خروج أمريكا من عزلتها والظهور على المسرح العالمي بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية الكبيرة . كما أن ظهور الشيوعية ونظامها والتي بسطت نفوذها على ( أوراسيا ) من ألمانيا إلى كوريا الشمالية . فما كان من أمريكا بقوتيها البحرية والجوية وبتسهيل ودعم حلفائها أن بسطت سيطرتها الاستراتيجية على بقية العالم . كانت الحرب العالمية الثانية الطاحنة قد وضعت أوزارها وبدأ العالم يدخل في حرب جديدة عرفت في الإعلام العالمي بالحرب الباردة ، واستمرت حتى سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن العشرين وتتويج أمريكا بطلة وحاكمة للعالم ، وهكذا ظهرت إمبراطورية العالم الجديدة .

” اقتربت الهيمنة الأمريكية خلال السنوات 1990-1950 على القسم غير الشيوعي من العالم من حالة ” الإمبراطورية “. وقد مكنت الموارد الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية الهائلة للولايات المتحدة آنذاك من امتلاك أبعاد القوة الإمبريالية . لقد أدت سيطرة المبادئ الاقتصادية الليبرالية في الجزء من العالم الخاضع لأمريكا في المجالين السياسي والعسكري إلى تغيير العالم ، وإلى ظهور ( العولمة ) . ولقد أثر ذلك مع مرور الوقت بعمق في البنية الداخلية لأمريكا فأضعف اقتصادها وشوه مجتمعها . كانت العملية بطيئة ومتصاعدة في بدايتها ، ونشأت من دون أن يشعر اللاعبون التاريخيون علاقة تبعية بين الولايات المتحدة والمناطق الواقعة تحت نفوذها ، ترافقت مع عجز في الميزان التجاري الأمريكي منذ بداية السبعينيات ؛ مما شكل عنصرا بنيويا في الاقتصاد العالمي . لقد أدى انهيار الشيوعية إلى تسارع في حركة التبعية ، فما بين عام 1990 وعام 2000 ازداد العجز التجاري الأمريكي من 100 مليار دولار إلى 450 مليار دولار ، وقد احتاجت أمريكا لتحقيق التوازن في حساباتها الخارجية إلى تدفق من الرساميل الخارجية بالمقدار نفسه . (وفي بداية القرن الحادي والعشرين لم تعد الولايات المتحدة تستطيع أن تعيش على انتاجها وحده ). ( وفي اللحظة ذاتها التي كاد فيها العالم المتجه نحو الاستقرار الثقافي والديموغرافي والديموقراطي يكتشف أنه قادر على التخلي عن أمريكا ، أدركت الولايات المتحدة أنها لم تعد تستطيع التخلي عن العالم ) .

لقد توصل المؤلف في دراسته للإمبراطورية إلى أن ثمن التوسع والإمبريالية هي الضعف التدريجي لميزان الاقتصاد الداخلي لأمريكا ، وهي النقطة المفصلية في تاريخ أمريكا خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، فتحول الاقتصاد الأمريكي الأقوى عالميا في مطلع القرن العشرين صاحبه انقلاب عكسي في مطلع القرن الحادي والعشرين ، حيث أصبحت أمريكا تستهلك أكثر مما تنتج “فالتمون بمختلف السلع والرساميل من العالم الخارجي أصبح أساسيا في مفردات السياسة الخارجية الأمريكية ، وصار الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة السيطرة السياسية على الموارد العالمية ” ، مما يعني اعتمادها على الاستيراد أي تبعيتها الاقتصادية للخارج وهو الأمر الذي يقض مضجعها ، ومن جانب آخر تراجع القوة العسكرية والأيديولوجية لا يسمح لها بأن تسيطر فعليا على عالم أصبح شديد الاتساع ، فضلا عن ظهور لاعبين جدد على ساحة السياسة الدولية كالاتحاد الأوربي – الذي يسعى حثيثا للانعتاق من الهيمنة الأمريكية – وصعود روسيا .

ويختم المؤلف كتابه بقوله “… في التاريخ البشري ، كما في تاريخ الأصناف الحيوانية ، ليس من رجوع كامل إلى الوراء ، فالديناصورات انقرضت ولم ترجع ، ولن ترجع أمريكا هي الأخرى امبريالية أصيلة وكريمة كما كانت في الخمسينيات ” . ” وليس هنالك من أي سبب يدعو من الهلع من بروز إمبراطورية هي في واقع الأمر بسبيل التحلل بعد عشر سنوات على إنهيار الإمبراطورية السوفيتية “.

■ تقييم الكتاب …

الكتاب بدراسته القيمة سلس و أكثر من رائع ، ويحتاج إلى أكثر من مقالة لاستيعاب جميع جوانبه . فهو دراسة لمؤلف قدير يملك من الأدوات الكثير التي تميزه عن غيره فهو رجل اقتصاد وسياسة ، وانثروبولجي ، وديموغرافي وغيرها من العلوم والمعارف والثقافة ، مما جعل تناوله لأطروحته تأخذ أبعادا مختلفة وأوجها متعددة لتصل بجملتها إلى نتيجة أو نتائج تبهر القارئ ! فكثير مما كتبه المؤلف – وقد مضى على تأليف الكتاب قرابة العقدين – نعايشه الآن وكأن ما كتبه المؤلف بحبر الأمس كاستنتاج هو اليوم واقع معاش .

رضي الحصار

2018/9/1 1439/12/21

تعليق واحد

  1. احسنت ، متابعين معاك دائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open