الرئيسية / مقالات / خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (13)

خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (13)

مواقف ووصايا ثقافية (1)
سعيد حسن المطرود

في كل هذه السنين الثمانين التي عاشها علامتنا الفضلي (ره) بكل عمقها وتفصيلاتها، حيث كان مستثمرًا ساعاتها ولياليها في العلم والمعرفة والعمل الدؤوب، لم يعش (ره) الطفولة كما يعيشها الأطفال الآخرون في اللعب واللهو، بل عاشها بالجد والتعلم والمعرفة، فعكف على متون الكتب وتحبيرات العلماء ومقدمات المعرفة الشرعية واللغوية منذ سن مبكرة جدًّا كما سلفت الإشارة إلى ذلك في خواطر سابقة.

لم ينقطع عن الكتاب والكتابة رغم مرضه الذي ألمَّ بِه في أخريات عمره الشريف، إذ أصيب بالجلطة الدماغية التي أثرت على الجانب الأيمن منه وعطلت يده اليمنى المعطاء المباركة عن الكتابة، لكنه رغم دلك لم يستسلم لمرضه فقاومه، مستأنفًا كتاباته بيده اليسرى.

وبهذا الشأن، *”تواصلت مع ابنه العزيز الأستاذ معاد بخصوص الكتب التي كتبها أبوه أثناء الجلطة الدماغية الثانية بيده اليسرى، فقال:

«هناك ثلاثة كتب كتبها الوالد (ره) بيده اليسرى أثناء مرضه، وهي آخر ما كتبَ:

١- خلاصة الحكمة الإلهية

٣- من مصادر الفكر الإمامي في العقيدة والتشريع

٢- الموجز في علم التجويد

وكنت أقوم – ولايزال الحديث للأستاذ معاد – بكتابتها بالكمبيوتر، ثم أطبع ما أكتبه وأعرضه عليه للمراجعة والتصحيح».

*وطلبتُ منه – مشكورًا – أن يزودني بصورة واحدة للتوثيق* لما كتبه علامتنا الفضلي بيده اليسرى، والتي تعكس الهمة العالية التي لا تعرف السكون والتوقف، فأرسل لي صورتين:

الأولى: كتابة الشيخ

والثانية: تصحيحه ومراجعته لما يُكتب بالكمبيوتر.

وأرسل أيضًا عرضًا تعريفيًا بالكتب الثلاثة آنفة الذكر من كتاب (جود اليراع) لأخيه الأستاذ جواد، فإليكها:

«1- (خُلاصة الحكمة الإلهية):

مركز الغدير، بيروت، 1428ﻫ-2007م.

عدد الصفحات: 203 صفحة

مقرر دراسي لمادة الفلسفة الإسلامية؛ إحدى مواد الدرس الشرعي في الحوزات والمعاهد الدينية والأكاديمية.

آخر كتاب ألفه العلامة الفضلي (رض) وقد كتبه بيده اليسرى بعد أن تعرضت يده اليمنى لجلطة دموية والتي أعاقته عن استعمالها.

– شمل الكتاب مقدمة وأربعة أبواب كالتالي:

مقدمة تعريفية: الفلسفة: تعريفها، عامل نشأتها، مصدر الفكر الفلسفي، تاريخها.

– الباب الأول: الحكمة الإلهية: تعريفها، موضوعها، مصدرها.

– الباب الثاني: تاريخ الفلسفة الإسلامية، وترجمات لأهم أعلام الفلاسفة المسلمين.

– الباب الثالث: مقدمات الحكمة الإلهية: المفاهيم والنظريات والمبادئ.

-الباب الرابع: مباحث الحكمة الإلهية: الألوهية والنبوة والإمامة والمعاد.

2- (من مصادر الفكر الإمامي في العقيدة والتشريع)

مجلة المنهاج، العدد 48، 1429ﻫ.

عدد الصفحات: 32 صفحة.

كتب العلامة الفضلي هذا البحث بيده اليسرى بعد عدم تمكنه من استخدام يده اليمنى نتيجة الجلطة التي أصابتها، وطبع البحث في كتاب مستقل من قبل دار الرافدين، بيروت 1430هـ-2009م.

قائمة بيوبيلوغرافية تضم أهم وأشهر مصادر الفكر الإمامي في مقررات الدرس الشرعي، مع تعريف مختصر لتلكم المقررات، ومصادر كلٍّ منها، وهي:

العقيدة، التفسير، الحديث، علم الدراية، أسماء الرجال، علم الرجال، الفقه، أصول الفقه، الحكمة الإلهية.

3- (الموجز في علم التجويد)

مركز الغديرـ بيروت، ط1، 1430ﻫ-2009م.

كتاب دراسي مختصر في علم التجويد، اقتصر على المهمّ من قواعده وضوابطه، بدأه المؤلّف بالمقدّمة العلمية لعلم التجويد، ثم:

– الباب الأول: علم التجويد: بيّن فيه نشأته، تعريفه، موضوعه، فائدة تعلّمه، علاقته بعلوم اللغة العربية الأخرى، الفرق بين التجويد والقراءات.

-الباب الثاني: الحروف العربية، فصَّل فيها الحديث عن مخارجها وصفاتها وأحكامها التجويدية».

بهذه الكتب الثلاثة أكتمل مشروع علامتنا الفضلي الذي وطن نفسه ووقته لإنجازه – وهو كتابة مناهج دراسية في العلوم الشرعية واللغوية بدءًا من مرحلة المقدمات وانتهاءً بالسطوح بأسلوب تربوي معاصر فكان له ما أراد.

وأحببت في هذه الخاطرة الثالثة عشرة – قارئي العزيز – أن أنقل لكم وصاياه وتوجيهاته الثقافية لنفيد منها في حياتنا العلمية والعملية.

*فإليكموها، شذورًا ودُررًا:

١- اقرؤوا القديم والجديد *

ينظر البعض للكتب التراثية القديمة بكل ازدراء ، فلا يقبلون على قراءتها ولا يشجعون عليها ..

مع أن قراءتها أو دراستها تعلمنا في كثير من الأحيان خصوصًا الكتب الشرعية والعربية العمق العلمي لمفردات تلكم العلوم، ومعرفة انطلاق وانبثاق جذور بعض النظريات الحديثة في الكتابات المعاصرة.

يقول علامتنا في هذا الشأن:

«علينا أن ننطلق إلى أخذ قسطنا المطلوب من القراءة الجادّة والواعية للنتاج الفكري القديم والجديد؛ لما للقراءة من دور مهم في تكوين الذهنية، وبناء الشخصية والانفتاح على العالم، والتطلع إلى ما هو أفضل».

(راجع: حوارات في الدين والفكر واللغة مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، ص ١٠١).

٢- اسعوا لتثقيف المجتمع بالثقافة الواعية

رغم المستوى العلمي الذي وصل إليه علامتنا الفضلي (ره) إلا أنك تجده لا يضنّ بنصائحه على مجتمعه، فهو يستثمر المحاضرات التي يلقيها ليحث وبشكل مستمر طلاب العلوم الدينية والمثقفين والأكاديميين للقيام بواجبهم التثقيفي والتوعوي في مجتمعهم لينهض؛ ليكون في مصاف المجتمعات المتقدمة.

*«أتذكر أنني كنتُ حاضرًا وبعض زملائي حفل افتتاح الحوزة العلمية في الأحساء والذي صادف ولادة الصديقة الزهراء (ع)، عندما كنت أدرس في الأحساء في تلك الفترة، ذهبنا ولَم نعرف من الضيف الذي سيلقي الكلمة، اقتربنا من مقر الحفل وإذا صاحب الكلمة الشيخ الفضلي (ره) وكلمته أشرفت على نهايتها …

وأكثر الحضور هم من طلبه العلوم الدينية، والذي عرفت من فحوى المحاضرة أنه يتحدث عن التبليغ الديني ودور طالب العلم ..

-توجه له سؤال مكتوب بأسلوب استنكاري أزعجه كثيرًا:

«هل تريدنا أن نطرق على الناس بيوتها لكي نبلغهم ونثقفهم؟»

أجاب الشيخ بكل بقوة وهو منزعج على غير عادته:

«إذا اقتضى الموقف ذلك، ما المانع؟!، الإسلام يشرفك ويشرفني، بأن جعلنا من الدعاة إلى هداية الناس وتثقيفهم كالأنبياء والأئمة (ع)»*

ويخيل إليّ أن مقولة أمير المؤمنين (ع) في وصف رسول الله (ص) كانت حاضرةً في خلد الشيخ عندما قال (ع): «طبيبٌ داوّرٌ بطبه، قد أحكم مَراهمهُ، وأحمى مواسمه …» (نهج البلاغة، خطبة ١.٧).

يقول في هذا الصدد في كتاب حوارات في الدين والفكر واللغة ، ص ٦٤،ص ٦٥:

*«نحتاج هنا أن نصحح الكثير من المفاهيم الإسلامية المغلوطة في أذهان الناس، فمثلًا لا يفرق الكثير من الناس – بمن فيهم المثقفون – بين الحكم والموضوع، وبأيهما يكون التقليد، ومن الذي يحدد الموضوع.

في ضوء هذا، لابد من استمرار التثقيف بالثقافة الدينية العامة التي تساعد القارئ المسلم المثقف على كيفية التعامل مع كتب الفقه، سواءً كانت رسائل عملية أو غيرها، وكذلك لا بد للمثقف المسلم الذي يريد أن يكتب في الإسلاميات الشرعية من أن يعرفَ شيئًا كافيًا من العلوم الإسلامية كأصول الفقه وأصول العقائد وما إليهما.

أما القراءة للكتب العلمية الشرعية من دون أن يكون لدى القارئ خلفيات ثقافية في هذا المجال تساعده على الفهم الصحيح، فهي لا تؤدي المطلوب».

٣- انفتحوا على الحياة المعاصرة

كما يحث الشيخ (ره) على قراءة التراث بوعي، لا يغفل الحرص على الانفتاح على الحياة المعاصرة.

من الكلمات التي كان يكررها في مجلسه بشكل مستمر

*«نحتاج أن نفهم الحياة المعاصرة، وكيف نتعامل معها».

وقد سمعتُه مرارًا متأسفًا، وسمعه غيري من مرتادي مجلسه يقول: «لقد تأخرنا كثيًرا عن ركب الحضارة والتقدم، كأمة إسلامية، بسبب عدم فهمنا للحياة، وعدم معرفتنا كيفية التعامل معها، بخلاف الغربيين فقد وعوا لذلك باكرًا وأدخلوا فهم الحياة وكيفية التعامل معها في مناهج التعليم في بلدانهم، بدءًا بمرحلة ما قبل المدرسة إلى المراحل الجامعية».

ويعزز هذا قوله:

«قبل كل شيء، أن ينفتح المسلم المعاصر على الحياة المعاصرة، ويستوعب بنظرته كل أبعادها، وأن يساير ويتابع كلَّ ما يجد من معلومات في مختلف حقول المعرفة؛ ذلك لأن الإسلام رسالة حياة، والذي لا يعرف الحياة حتى لو كان عالمًا بالشريعة الإسلامية لا يكون بمستوى رسالته؛ لأنه لا يقدر أن يضعَ يده على العلاقة بين الإسلام والحياة» (راجع: حوارات في الدين والفكر واللغة، ص ٦٥).

رحم الله علامتنا الفضلي وحشره مع المعصومين عليهم السلام

خط الشيخ عليه الرحمة بيده اليسرى أثناء مرضه الأخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open