الرئيسية / مقالات / خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٦)

خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٦)

مواقف ووصايا ثقافية (٤)
سعيد المطرود

مرت على علامتنا الفضلي – عليه الرحمة – ظروفٌ صعبة جدًا أبرزها ملاحقة النظام البعثي له، الذي سعى لاعتقاله وتصفيته؛ كونه أحد أبرز العلماء المنتسبين للحركة الإسلامية في العراق في ستينيات القرن الماضي وكان بمعيّة السيد الشهيد محمد باقر الصدر – رضوان الله عليه .
حيث قام النظام الصدامي المجرم بإصدار مذكرة اعتقال لشخصيات علمائية كثيرة، منهم شيخنا الفضلي – عليه الرحمة
– ومن حسن الصدف إنني كنتُ قد قرأتُ من سنوات مضت كتابًا لصلاح الخرسان بعنوان :
(حزب الدعوة الإسلامية حقائق ووثائق، فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال ٤٠ عامًا)

حيث يذكر هناك في ص ٤٤٩ (وثيقة خاصة) بحزب البعث تتحدث عن الحركة الإسلامية في العراق ومصادرها الثقافية، عُثر عليها بعد سقوط النظام البعثي تنص على أسماء شخصيات الحركة الإسلامية وكتبهم المؤثرة في الجماهير العراقية آنذاك وتنص على : الكتب المزعجة للنظام ككتب ( فلسفتنا ) و ( اقتصادنا) و ( البنك اللاربوي ) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وكتاب ( مشكلة الفقر) للشيخ عبدالهادي الفضلي .

الجدير بالذكر أنّ كتاب ( مشكلة الفقر ) للشيخ الفضلي هو أول كتاب طبعه علامتنا الفضلي كما صرح بذلك في الحوار الذي أجراه معه الدكتور جودت القزويني في موسوعته ” تاريخ القزويني ” ، الذي طُبِعَ مستقلا في كتيب باسم ( الحركة الإسلامية في العراق ) من إصدارات لجنة مؤلفات العلّامة الفضلي، يقول الشيخ الفضلي في ذلك الحوار في سياق ذكر أول كتاب من مؤلفاته تمّ طباعته في ص ٤٠ :
” مشكلة الفقر كان أول كتاب طبعتُه ، وذلك سنة١٩٦١-١٩٦٢م “

“والكتاب جاء لملء الفراغ العقائدي ضد مضاعفات الغزو الشيوعي الفكري الذي غزا العالم العربي والعراق خاصة كما تحدث عن ذلك الشيخ الفضلي في مقدمته”

“وقد أعيد طبعه خمس طبعات ، أولها سنة ١٣٨٢هـ / ١٩٦١م – ١٩٦٢ م وخامسها سنة ١٤٣١ هـ – ٢٠١٠م كما نص على ذلك الأستاذ حسين منصور الشيخ في مقدمة الطبعة الخامسة “.

وقد تحدث الشيخ الفضلي نفسه عن ملاحقة النظام البعثي له قائلا :
” في المرة الأولى ، خرجتُ ليلًا من النجف بعد أن أخبرني أحدهم بتنفيذ أمر اعتقالي في فجر اليوم التالي ، توجهتُ إلى البصرة ، ومنها مباشرةً إلى الكويت ، ثم إلى المملكة العربية السعودية عبر سيارات النقل .
ثم عدتُ إلى البصرة مرة أخرى بسيارتي الفولكس، ومكثتُ أسبوعًا حيثُ صدر أمرُ اعتقالي وطوَّق رجال المباحث دارنا في البصرة، وقد كنتُ محتاطًا للأمر فلم أوقف السيارة بجوار الدار، وإنما أوقفتها في كراج البصرة الواقع أمام عيادة الدكتور جمال الدين الفحام، وقد خرجتُ من البيت خفية وسافرتُ بسيارة أخرى، واتفقتُ مع الحاج حسين المازني أن يحضر بسيارتي إلى الحدود العراقية الكويتية حيثُ أقلّتني مغادرًا العراق للمرة الأخيرة متوجهًا إلى الكويت ” *راجع الدكتور عبدالهادي الفضلي، تأريخ ووثائق، الطبعة الأولى ١٤٣٠هـ – ٢٠٠٩م

هذا التضييق الشديد اضطره الخروجَ من العراق تاركًا وراءه عائلته في البصرة ، التي لم يلتق بها إلا بعد خمس سنوات من الفراق ،وذلك بعد رجوعه من مصر إلى جدة وحصوله على شهادة الدكتوراة من هناك .

كل ذلك لم يفت من عزمه ونشاطه الديني والثقافي والعلمي .
حتى أنه – عليه الرحمة – عبر عن تجربته الصعبة الطويلة لفراق عائلته بقوله:
الحياة كفاح، لابد للإنسان أن يمضي فيها للوصول إلى آماله، ولتحقيق دوره في الحياة “.

بعد هذه الإطلالة السريعة لبعض معاناته
لنعد – قارئي العزيز – إلى مواقفه ووصاياه الثقافية في (حلقتها الرابعة)

١٠ – شجعوا الطاقات العلمية والثقافية الواعدة في مجتمعكم .
انصبَّ جل اهتمام شيخنا الفضلي بعد تقاعده من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة عام ١٤٠٩ هـ ، لرفد المشروع الثقافي والتنويري في المنطقة الذي تنوع عبر أشكال متنوعة :
أ- المحاضرات والندوات الذي كان المؤسس لها، التي كان تقام في منطقتي القطيف والأحساء غالبًا .

ب- فتح مجلسه الخاص لاستقبال المثقفين والعلماء، وعامة الناس بشكل يومي عدا ليلة الجمعة ، الذي كان يمثل منبرًا ثقافيًّا واعيًا .

ج- دعمه لمسابقات البحوث الثقافية والعلمية التي كان تقام في منطقتي القطيف والأحساء ، حيث كان له الدور الكبير في دعمها وتشجيعها ، والمشاركة الفعالة في تقييم الأبحاث ، والمشاركة أيضًا في الاحتفالات الختامية لتكريم الفائزين كل ذلك تشجعيًا منه لخلق أقلام ثقافية واعدة بالمنطقة
وتمر آلية التقديم لدى سماحته فيما إخال بمراحل مختلفة وهي :
⁃ قراءة الكتب والبحث المُقدّم له قراءةً واعية ً.
⁃ التصويبات اللغوية والأسلوبية .
⁃ وضع ملحوظات على بعض الأخطاء التي تتعلق بمضمون البحث وصحة المعلومة .
⁃ وضع دراسة ناضجة في مقدمة تلك الكتب والأبحاث ، لا تقل أهمية عن الكتاب والبحث المقدَّم له ، ويكفيك أن تقرأ تقديمًا من تلكم التقديمات لترى ذلك جليًّا وواضحًا
⁃الثناء على المؤلف وتشجيعه ودعمه ، وحثه على الاستمرار ، مع بيان مواضع القوة في البحث ، وفرص التحسين في البحث نفسه ،ليفيد منها صاحب الكتاب في الطبعات القادمة من كتابه .

وقد تجاوز ت مجموع تلك التقديمات (١٦٠) تقديمًا.
-وقد ذكرتُ في خواطر َسابقةٍ أنني سمعتُ من الشيخ نفسه ،وهو يتحدث عن الكتب والأبحاث التي تحتاج منه إلى تقديم قوله :
“بأنني متوقف عن إكمال أبحاثي الخاصة وأستشكلُ الاستمرار فيها من جهة شرعية ؛لأن عندي أبحاثًا وكتبًا تنتظر مني كتابة تقديمات لها “

-ومن الجميل جدا أن الشيخ أحمد السمين من طلاب العلوم الدينية من الأحساء – جزاه الله خير الجزاء – قد جمع كلّ تلك التقديمات في كتاب واحد طُبِعَ مؤخرًا باسم* ( العلّامة الدكتور عبدالهادي الفضلي ،تقديمات لكتب وبحوث في الدين واللغة والتاريخ )* بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيله ، التي أُقيمت في جامعة آل البيت (ع) بقم المقدسة .

وأختمُ هذه الوصية الثقافية – العاشرة – بتقييم رائع من قبل علّامتنا الفضلي – عليه الرحمة – لأبناء المنطقة الشرقية الذي عاش بين ظهرانيهم سنوات طويلة بعد تقاعده – سمعتُها منه كثيرا – أحببت أن أنقلها لك موثقةً – أيها القارىء العزيز – وذلك من خلال حوار يرجع تاريخه إلى شهر ذي الحجة لعام ١٤٢٤هـ أجراه معه الأستاذ باقر الرستم أحد مثقفي الأحساء وكتّابها، حيث أدلى علامتنا الفضلي بذلك التقييم في حق أبناء المنطقة قائلا :
“هم أذكياء ، هذا لا مجال للمناقشة فيه ..ولديهم تطّلعٌ إلى مستقبل أفضل من ناحية ثقافية، ومن ناحية اقتصادية، وأيضًا هم يعملون لهذا، ولكن العمل محدود، وقد يكون ضَعِيفًا شيئًا ما بسبب عدم وجود التوجيه المطلوب، بمعنى أن هناك شيئًا من العزلة، ولو خفيفة، ولكن هذه كافية بأن تحوجهم إلى التوجيه، على العموم : الحمد لله من حيث التثقيف نجد حركة ً جيدةً، في الأحساء، والقطيف، والدمام ، – أمامك بعضهم -” وأشار إلى بعض زواره من الشباب المتواجدين في مجلسه الشريف حينها “.
فإذن حركة التثقيف جيدة، بمعنى أنني أراها – ليس من باب المدح، ولا من باب التشجيع – بالمستوى المطلوب، حسب ظروفنا وأوضاعنا هي بالمستوى المطلوب .
نعم الواقع الاقتصادي يحتاج إلى دفع أكثر، فهذا صحيح، ويحتاجُ إلى حركةٍ أكثر، وإن شاء الله في المستقبل نكون في المستوى المأمول ”
راجع كتاب ( آية الله الفضلي رائد حضاري في بناء المنهج الحوزوي وتجديد خطابه ) للأستاذ باقر الرستم ، ص ٢٦٦، ص ٢٦٧.

١١- تعلموا العلم لخدمة مجتمعاتكم .
لا يفتأ شيخنا الفضلي – عليه الرحمة – موجهًا ناصحا ،فهو المعلم المربي الذي لا يضن بعلمه ونصائحه وتوجيهاته على طلابه ، فقد صرّح في أكثر من موقف :
“مدى معزته الكبيرة لطلابه ، فلاغرو في ذلك فهو يعدهم مثل أبنائه يفتح لهم المجال للسؤال والمناقشة والنقد العلمي ، حتى لو كان هو المُنْتَقَدُ ” كما سمعت منه ذلك .

تذكرتُ وأنا أكتب هذه (الخاطرة السادسة َعشرةَ )(المحاضرة الأولى )من محاضرات ودروس علامتنا الفضلي في (علم الحديث) التي ألقها في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن في عام ١٤١٣هـ والتي وفقتُ لسماعها منذ زمن بعيد يرجع لعام ١٤٢٥هـ بمعيّة الصديق العزيز الأستاذ حسين منصور الشيخ – دام موفقًا،
-وكل تلك المحاضرات القيمة لحسن الحظ متاحةٌ الآن للجميع على اليوتيوب صوتًا وصورة حيث يقول هناك في سياق نصائحه وتوجيهاته الدائمة لطلابه

*” العلم يدرس لغرضين هما :

١-العلم للعلم : ويُقْصدُ من ذلك أن تتعلم لأجل التعلم والتثقيف الذاتي فقط ، دون المشاركة في نشر ذلك العلم النافع في المجتمع والأمة وقد عبّر علامتنا عن هذا التوجه ب ” النظرية التخذيرية ” للأمة ، حيثُ تعزلُ العالِم َ عن الحياة والمجتمع، ويكون دوره سلبيًا .

٢- العلم للحياة : وهي أن تتعلمَ العلومَ النافعة َبفهم ووعي، وتعلمها للآخرين ، وأن تكون عنصرًا فعّالًا في خدمة مجتمعك وأمتك ، وتساعد في نموها وتطورها ، وهو ما حث عليه ديننا الإسلامي الحنيف ، وأئمتنا عليهم السلام ، وهو الذي يجب أن يكون هدفكم

رحم الله علّامتنا الفضلي ، وحشره مع المعصومين عليهم السلام

بقلم : سعيد حسن المطرود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open