الرئيسية / مقالات / خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٨)

خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٨)

مواقف ووصايا ثقافية (٦)
سعيد حسن المطرود

ما يجمع عليه الزائرون والمرتادون لمجلس علامتنا الفضلي التواضع الجمّ، وسعة الصدر، والابتسامة التي يغمر بها زائريه والمصحوبة غالبًا بالطرفة المهذبة التي تجري على لسانه دون تكلف أو تصنُّع، على الرغم من كونه أستاذًا جامعيًّا وعالمًا حوزويًّا مرموقًا، ملأت مؤلفاته وأبحاثه المكتبة الإسلامية والعربية. حتى تكاد لا تجد باحثًا جادًّا في الدراسات اللغوية والإسلامية لا يعرف علامتنا الفضلي أو لم يسمع بمؤلفاته وأبحاثه. لقد ظلّ علامتنا الفضلي، وبكل جدارة ذاك الإنسان الشامخ المتواضع، وصاحب السماحة والمحبّة للناس.

تلامذة الدكتور الفضلي وتعدّد الانتماءات الجغرافية
وينتشر تلامذته في أصقاع العالم المختلفة، الذين لكثير منهم حضوره العلمي والاجتماعي المميز. يقول (ره) عندما سُئل عن تلامذته:
«أمّا تلامذتي، فكانوا كثر، منهم من بلغ رتبة الاجتهاد وأصبح أستاذًا بالبحث الخارج، كسماحة السيد محمود الهاشمي.
وفيهم من تقلّد مناصب مهمة في الأعمال الإدارية الثقافية، كالأستاذ محمد كاظم البجنوردي المشرف على إصدار دائرة المعارف الإسلامية. وكسماحة الشيخ خالد العطية المشرف على إصدار دائرة المعارف الفقهية وفق مذهب أهل البيت (ع). وكذلك فضيلة الشيخ فاضل السهلاني مدير مؤسسة الإمام الخوئي في نيويورك. والأستاذ عبد الهادي الحكيم المشرف العلمي في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن وأخيه المرحوم الدكتور السيد حسن السيد محمد تقي الحكيم الذي كان أستاذًا في إحدى جامعات ليبيا وحقق أكثر مؤلفات الإمام زيد بن علي (ع)، والسيد محمد زكي السويج البصري من الوكلاء في أمريكا حاليًّا، وسماحة السيد هاشم الهاشمي من فضلاء الحوزة في النجف وأئمة الجماعة فيها.
وكالشهداء السعداء من آل الحكيم: السيد محمد رضا السيد محمد حسين، وأخويه: السيد محمد، والسيد عبد الصاحب. والسيد علاء الدين نجل الإمام الحكيم، والشهيد السيد عماد الدين نجل الإمام السيد جواد الطباطبائي، وخاله الشهيد عز الدين القبانجي.
والدكتور إبراهيم بحر العلوم، والدكتور محمد علي الستري الأستاذ بجامعة البحرين، والدكتور جابر العطا، وسماحة السيد هاني فحص العالم الأديب اللبناني، والشيخ فضل غزال السوري، والأستاذ السيد نصار محمد حميد الدين من اليمن، والأستاذ إبراهيم أحمد حسن من الأردن، والسيد محمد علي نجل الإمام الاصطهباناتي، والشيخ شريف نجل الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبد العزيز نجل الإمام الحكيم، والشاعر الأديب السيد مسلم الجابري، والأستاذ جابر عبد الحميد الخاقاني، والأستاذ محمد رضا القاموسي، والخطيب السيد عبد الرزاق الحسيني القاموسي، والأستاذ عبد العظيم المامقاني، وسماحة الشيخ محمد رضا المامقاني، وسماحة الشيخ محمد هادي آل الشيخ راضي.
ومن البحرين السيد عبد الله الغريفي، والمرحوم السيد أحمد الغريفي، والشيخ عيسى قاسم، والشيخ عبد الحسين العصفور، والأستاذ عبد الجليل الطريف.
والأستاذ يوسف الفضل من النجف، وسماحة السيد علي نجل الإمام السبزواري.
ومن المنطقة المرحوم الشيخ عبد الله بومرة، والملا محمد علي الناصر القديحي، والدكتور أحمد نجل الشيخ محمد تقي المعتوق، والأستاذ محمد رضي الشماسي، والأستاذ عبد العلي السيف».
راجع: حوارات في الدين والفكر واللغة مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، ص ٣٠٥ – ص ٣٠٦.

الانفتاح على التيارات والانتماءات المذهبية
وكما تعددت الانتماءات الجغرافية لتلامذته، تعدّدت علاقاته بالأطياف الفكرية والمشارب المذهبية الإسلامية، فلم يكن الاختلاف المذهبي بين كثير من الأكاديميين وعلامتنا الفضلي مانعًا وحاجزًا في إفادتهم من علمه ومؤلفاته وأبحاثه، بل بالعكس تجدهم يكنون له كل احترام ومحبة، بل يتمنى بعضهم زيارته واللقاء به، للإفادة منه.
وفي هذا الجانب، أتذكرُ في عام ١٤١٣ – ١٤١٤ﻫ، عندما كنتُ طالبًا للعلوم العربية في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء، كان من ضمن الأساتذة الذين حضرتُ عندهم شرح الألفية لابن مالك، القسم الأول، الدكتور محمد العرفج، الذي كان، إضافة إلى تعمّقه في المادة العلمية، صاحب خلق رفيع جدًّا، وكان دائمَ السؤال عن الدكتور الفضلي، وكان يتمنى أن يلتقي به في منزله بالدمام؛ ليفيد منه. وقد كان في نيته كما سمعتُ منه، وسمعه بعض الزملاء تحقيق إحدى المخطوطات في النحو العربي، الموجودة – والكلام للدكتور العرفج – في مكتبة الإمام الحكيم في النجف الأشرف – ولعله يجد طريقة لتلك المخطوطة عن طريق الشيخ الفضلي.

تقدير الآخرين
كان من عادة علامتنا الفضلي الإشادة والتقدير لمن قدم له كتابًا وأفاد منه ولو قليلًا. ففي إحدى زيارتي له مع بعض الأصدقاء من بلدتي القديح، وكان من بينهم الأخ (الأستاذ إبراهيم مهدي آل طحنون) – دام موفقًا، وهو شخصية ثقاقية عصامية، ومتابعٌ متميّز لما ينشر من الإصدارات الثقافية والعلمية، وكانت تربطه بعلامتنا الفضلي (ره) علاقة قوية، أثناء تلك الزيارة، سأل أحدُ الحاضرين علامتنا الفضلي عن الكتاب الذي يشتغل بتأليفه، فأجاب:
أشتغلُ هذه الأيام بكتابة بحث (التقليد)، وأشار إلى الأستاذ آل طحنون، قائلًا:
«الأستاذ إبراهيم لم يقصّر، جزاه الله خير الجزاء، وفّر لي كتًابا عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ره) بعنوان: (الشهيد الصدر سنوات المِحنة وأيام الحصار) للشيخ محمد رضا النعماني، وقد أفدتُ منه في ذكر قصة تدل على زهد ومحاسبة السيد الشهيد لنفسه حتى في أصغر الأمور، وذلك عندما تطرقتُ لمبحث (شرط الزهد) في مرجع التقليد».
يقول علامتنا الفضلي هناك: «ومن أروع ما قرأتُه مظهرًا حيًّا من مظاهر هذا الزهد عند مراجعنا العظام ما جاء في كتاب (الشهيد الصدر) للشيخ محمد رضا النعماني …»، راجع: التقليد .. دراسة فقهية لظاهرة التقليد الشرعي، ص ٧٩.

ولنعُد إلى وصاياه الثقافية:
١٥- لخصوا الكتب العلمية لتُقرأ
الشيخ الفضلي لديه خبرة طويلة في كتابة المقررات الدراسية بشكل خلاصات ومختصرات، وعندما سُئِلَ عن سبب ميله لكتابة المختصرات، أجاب قائلًا:
«الكتبُ المطولةُ لا تُقْرأ، فقراءة الكتاب قليلة مقارنة بالبلاد الغربية، فأحببتُ أن أبسط قراءة كتب اللغة العربية بإعطاء المختصرات». راجع: حوارات في الدين والفكر واللغة مع الدكتور عبدالهادي الفضلي، ص ٤٠.
وقد سادت في فترات سابقة إصدار العديد من (كتب الجيب) لتشجيع الناس على حب القراءة، وبخاصّة للمبتدئين، ولكن يبدو أنها انحسرت الآن، فأصبحت سوق الكتب كاسدة في عالمنا العربي، وبخاصة بعد ظهور الأجهزة الذكية، وتعلق أكثر الناس بها.

١٦- لا تشغلكم الخلافات عن التطور العلمي والاجتماعي لمجتمعاتكم
كم أخذت الخلافات والمشاحنات من أوقات الطاقات العلمية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية خصوصًا النخبة منهم، سواء أكان الخلاف مذهبيًّا أم قبليًّا أم غير ذلك، وممّا يؤسف عليه أنّ بعض هذا الخلاف يكون على مستوى المذهب نفسه أيضًا.
لذا نرى سماحته يؤكد، وبشكل مستمرّ، على جعل الخلاف العلمي، سواء على مستوى المذاهب الإسلامية أو المذهب الإسلامي الواحد نفسه، في أروقته العلمية الخاصة بين العلماء، وعدم جرّه إلى عامة الناس؛ لئلَّا ينشغل المجتمع بالخلاف، فتسود بينهم الأحقاد والإحن، فتضعف شوكتهم وتتفرق كلمتهم.
مع أن علامتنا الفضلي ليس من الشخصيات الجدلية أبدًا، إلَّا أن طبيعة الآراء والأفكار العلمية التي يطرحها في كتبه وأبحاثه تجعل من البعض يتحفظ على بعضها، أو له وجهة نظر علمية مختلفة كما هو ديدان الميادين العلمية.
وقد شاهدتُ بعضهم في محضره، وقد أخذه الحماس في الدفاع عن الشيخ نفسه وآرائه العلمية في فترة من الفترات، فيجيبه الشيخ بشكل حاسم دون تردد:
«لا أجيزُ لأي أحدٍ أن يدافع عني، ولا يجوز أن نشغل المجتمع بالخلافات، يجب أن يكون الخلاف منحصرًا بين العلماء فقط.
حتى من يختلف معي من العلماء، هم علماء أتقياء متدينون، وزملائي في الدرس».

رحم الله علامتنا الفضلي، وحشره مع المعصومين (ع).

بقلم: سعيد حسن المطرود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open