الرئيسية / مقالات / خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٩)

خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره) – (١٩)

مواقف ووصايا ثقافية (٧)
سعيد حسن المطرود

الأمانة في حفظ الكتب
لطالما يغفل المستعيرون للكتب أو المجلات الثقافية عن إرجاعها لأصحابها، ولعلي أحدهم، فتكون تلك الكتب والمجلات المستعارة ضمن مكتباتهم الخاصة دونما وضع علامة توحي بأن هذا الكتاب أو تلك المجلة ليس من ممتلكات صاحبها، بل هي لآخرين تم استعارتها منهم.

وما شاهدتُه في مجلس علامتنا الفضلي (ره)، بخصوص هذه النقطة، كان مختلفًا كل الاختلاف عن التصرف الآنف الذكر الذي يكون غالبًا بسبب النسيان أو الغفلة.
فما إن يأتي صاحبُ الكتاب المُستَعار، أو المجلة المُستَعارة (وغالبًا ما تكون الاستعارة كما أعلم عن رغبة من أصحابها في إطلاع الشيخ على تلك الأبحاث والكتب) أو صاحب البحث الذي يريد صاحبه أن يكتبَ له علامتنا الفضلي تقديمًا، إلى مجلسه المبارك، حتى يُنادي أحد أبنائه المتواجدين في المجلس، ويكون ذلك بمرأى وبمسمع الجميع قائلًا:
«اذهب إلى المكتبة، وستجد كتبًا يعلوها ورقة كُتِبَ عليها اسم فلان، مثلًا».
فماهي إلا دقائق معدودة، وإذا الكتب حاضرة كما هي يعلوها ورقة صغيرة بخط الشيخ مكتوب فيها اسم صاحب الكتب المستعارة. وفي السنوات الأخيرة، كان الشيخ يضعها بجانبه في زاوية المجلس، مدوّنًا على كل كتاب منها اسم صاحبه والمنطقة التي ينتمي إليها.
ولا ينسى، كما هي أخلاقه النبيلة، أن يقدّم له شكره وامتنانه، وتشجيعه، مشفوعًا بالدعاء.

عدم الاعتداد بمؤلّفاته
كلّ مُؤلف ٍلكتاب في حقل من الحقول المعرفية المختلفة، يَعُدُّ كتابه من أفضل الكتب المؤلفة عادة، ويجزمُ بجامعيته ومانعيته للكتب المؤلفة قبله وبعده، فيكون من الصعب عليه أن يدلي بإعجابه بكتب الآخرين، خصوصًا في الحقل المعرفي نفسه، إلا الشاذ النادر.

ولعلّ جميع من يحضر مجلس العلامة الفضلي يدرك أنّ سماحته يعدّ من هذا الشاذّ النادر الذي يُطري على مؤلّفات الآخرين في مجال كتب فيه وأبدع. ومن المواقف التي شهدتها في ذلك أنني كنتُ في زيارةٍ لسماحته عام ١٤٢٦ﻫ تقريبًا، بمعيّة الشاعر الأديب الشيخ علي الفرج، وكانت تلك الزيارة بعد تماثل الشيخ الفرج للشفاء التدريجي من الجلطة الدماغية التي ألمت به آنذاك، شافاه الله، وكان حينها صعب الكلام قليله، دخلنا بيت علامتنا الفضلي، رحّبَ بالشيخ الفرج، كعادته في احتفائه بزائريه، وبدأ يسأله عن أحواله الصحية، شاكرًا له الزيارة. وفي أثناء حديثه معه، راح علامتنا الفضلي يطري على جهوده في العلوم العربية واقتداره فيها وخاصة البلاغية منها، قائلًا:
«إن كتابكم (تكوين البلاغة .. قراءة جديدة ومنهج مقترح)، بدون مبالغة، من أفضل الكتب التي طُبعت في البلاغة العربية الحديثة، مزجتَ فيه القديم بالحديث، وحريٌ أن يكون منهجًا ومقررًا في الدراسات الأكاديمية، والحوزوية».
علمًا بأن علامتنا الفضلي له كتاب في البلاغة بعنوان: «تلخيص البلاغة»، وقد كان مقرّرًا دراسيًّا لمقرّر البلاغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز بجدّة وفي أكثر من جامعة عربية لسنوات طويلة، كما تم اعتماده في أكثر من حوزة.

تواضعه العلمي
ومن تواضعه المميز، بأنه إذا ذكر أحد تلامذته الذين لهم حضور علمي أو اجتماعي في سياق من السياقات الحوارية أو استعراض رأي من آرائهم العلمية، يعبر عنهم: (بأخينا ) بدل (تلميذنا)، ومن ذلك قوله: «عن طريق (أخينا) الشيخ محمد علي التسخيري …»، راجع: الدكتور عبدالهادي الفضلي تأريخ ووثائق، حسين منصور الشيخ، ص ١٥٢.
كما هو تعبيره عن سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان في ندوة جمعته به عنوانها (الإنفاق في القرآن) يقول فيها: «إن الموضوعات التي أوكلت إليّ إنما هي موضوعات قرآنية، لذا فإنني لا بدّ أن أتحدث عن ذلك من خلال الآيات القرآنية.
إن الموضوعات الفقهية التي أوكلت إلى (أخينا العزيز العلامة الحجة السيد علي السيد ناصر)، الذي سوف يتولى الحديث عن النواحي المالية في الفقه الإسلامي…»، راجع: محاضرات في الفكر الإسلامي، الشيخ عبد الهادي الفضلي، إعداد: اللجنة الثقافية بديوانية الغدير (سيهات)، ص ٥٩.
مع أن الشيخ التسخيري والسيد علي السيد ناصر السلمان يشهدان له بالأستاذية في النجف الأشرف في أكثر من مناسبة ومحفل.
والآن لنكن مع وصايا ثقافية جديدة من معين تجربته الرائعة:

١٧- لا تغيروا كُتِبَ التراث ِفهي تمثل أصحابَها

يتعمدُ بعض ُالمحققينَ للكتب التراثية بمختلف تخصصاتها المعرفية دينية أم تاريخية أم أدبية أم غيرها إلى عدم نقل محتوى المخطوطة التي يريدون تحقيقها كما هي، فيعمدون إلى تغيير المحتوى بعضها أو حذفه وإسقاطه؛ بحجة أن محتواها لا يتناسب وطبيعة الظروف المعاصرة، سواء من الناحية العقائدية أو من الناحية الأخلاقية أو غيرهما من النواحي، ولعلّ البعض يعلل ذلك بأنها تشوه مذهب كاتبها أو مستواه العلمي.
وقد تكون بعض الأسباب، مذهبية كأن تحوي بعض المخطوطات حقائق دينية أو تاريخية مخالفة لمعتقدات المحقّق أو لما يراه من حقائق تاريخية المحقق، فيعمد إلى إخفائها، لئلَّا تتعارض مع ما يعتقد.
و«كل أشكال العبث بمحتوى المخطوطة غير مقبول لدى علامتنا الفضلي».
ذَكَرَ بعضُ الزائرين لسماحته، وقد كنتُ موجودًا، ضرورة تغيير محتوى بعض المخطوطة حال تحقيقها، فردّ عليه سماحة الشيخ: «لا يجوز العبث بمحتوى المخطوطات حال تحقيقها أيًّا كان محتواها، فهي تمثل صاحبها ليس إلَّا، ويجب أن تحقق وتطبع دون العبث بمحتواها».

١٨- استثمروا أوقات فراغكم بالمفيد
يؤكد علامتنا الفضلي في مناسبات مختلفة، وبشكل حاسم من خلال فهمه للحياة ووعيه الكبير بالمجتمعات المتقدمة، على قضية الاستفادة من (أوقات الفراغ) بما يعود على الإنسان بالنفع والفائدة. يقول (ره) في محاضرته القيمة (الوقت وأهميته): «ينبغي ألا تضيع علينا أوقات الفراغ هدرًا، فيجب علينا كأمة أن نستفيد من أوقات فراغنا في عملية الإنماء في مستوياته الثلاثة: الروحي والفكري والبدني».
ويقول في المحاضرة نفسها: «إن الأمم المتطورة لا تجعل أوقات الفراغ والاسترخاء لدى شعوبها تضيع دون منفعة، فيشغلونها وبشكل دائم بما يرجع على شعوبهم وأفرادهم بالفائدة والإنتاج».
رحم الله علامتنا الفضلي وحشره مع المعصومين (ع).

بقلم: سعيد حسن المطرود

تعليق واحد

  1. أحسنت، رحم الله الشيخ الدكتور… متابعين معك جمال طرحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open