الرئيسية / مقالات / قضبان الفرجة

قضبان الفرجة

إبراهيم الزين

التباشير التي ملأت أركان القديح ، وأسمعت صداها للماضي الجميل الذي يبدو وكأننا انتبهنا للحظة لنقيم عليه عزاء الخسارة والحسرة ، هي تباشير مشروعة ، لأنفس عاشت اللحظات والذكريات ، عند ذلك النبع الخجول والذي يحاول أن يفور على جنبات عين ماء لازالت جدرانها رغم الطمي والطمر والوأد ، تقول أن نخيل رطب الغر اصطبغت واكتسبت لونها وحلاوتها من لوني ومن اسمي أنا عين الغرة ، والتي بقيت رغم الجور أنام بقربكم وأداري أطفالكم وهم يلهون ويلعبون فوقي ، وأحتضنهم في قربي وفي قلبي ، وأعتذر فقد داهمني الشوق لكم ، لأبكي في لحظة خانتني فيها دموعي ، وبللت التراب فوقي فعانقني خوفاً ، وكشفني لكم لكي أراكم وتروني ، ولكني أمسكت عن البكاء ، فلربما تسيل الدموع وتجري جريان مياهي القديمة فلا تلقى الأراضي التي تضمها ، ولا أشجار النخيل لترويها ، ولا السدرة ولا اللوز والليمون والموز والرمان فتزيل عنها غبار الإصفرار ، وكآبة الإغتراب.

لو أسلت الماء كما كان فلربما أغرقت بعض البيوتات الفقيرة ، ولربما تضرر مني المحروم والمسكين ، وإني قد رأيت مطر الساعات القليلة كيف عملت في البشر والحجر ، وعطلت أرجل الساعين وعزيمة المصلين ، وواجب المعزين .

لقد رأيت الحفلة المقامة حولي ، وتلك الوجوه التي اعتادت الظهور ساعة الفزعة، واعتدتم رؤيتها كل لحظة، يستغفلون الوقت والمكان وكأنهم أتوا لينقذوا الماضي ، وهم لا يدرون أصلاً ما هو الحاضر حتى يلتفتوا لما كان أجمل اخضرارا وازدهاراً وأزهاراً وثمارا .

نعم أنا إحدى أمهاتكم التي احتضنتكم ، وغسلتكم وداعبتكم وزفتكم إلى مخادع الهناء ، وغرف السعادة ، ولكني اليوم أراكم بحاجة لما هو أهم مني ، فبدل أن تلحوا عليهم بإعادتي وبعض أخواتي للحياة ، قولوا لهم أن يصلحوا الحال هناك فوق أرض الحاجات وبين جنبات الطرقات ، خاطبوهم في البلدية والصحة والزراعة ليستوعبوا مرضى تكسر الدم ، وأقسام الإسعاف ، وزيادة أسرة كبار السن والذين لا يعلم عنهم بشر ولا جن .

خاطبوهم لكي يكملوا مشاريع النفع العام ويسووا الطرقات ويزيلوا العشوائيات . خاطبوهم ليعيدوا النخلة بدل تشريحها وبيع قلبوها أمام أعين المتحسرين عليها ، وأنظار الذين لا يعرفون قيمتها وماهيتها ، وليعيدوا لنا الإخضرار وأشجار الجوري والريحان ، نعم نريد البلاد كما كانت حتى أعود أنا وأسقي الزرع وأروي القلوب وأداعب الصبية والبنيات كما كنت ، وإلّا اطمروني مرة أخرى ودعوني وانصرفوا غير مؤسوف علي ، لأنني لا يمكن أن أعود، ولا أرى مكاناً أجري فيه بينكم لأرتويكم محبة واشتياقاً وحنانا

دعوني ، فلن يحدث شيء سوى أنهم سوف يسجنوني خلف قضبان الفرجة .

✍ .. إبراهيم الزين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open