الرئيسية / مقالات / بنية الخطاب المنقبي – طلاق العقل وأوهام التاريخ

بنية الخطاب المنقبي – طلاق العقل وأوهام التاريخ

- كتاب في مقالة -
📝.. رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2019 ………….. 2

● اسم الكتاب : بنية الخطاب المنقبي – طلاق العقل وأوهام التاريخ .

● المؤلف : عبدالسلام المنصوري

● الناشر : مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث .

● الطبعة : الأولى 2017

● الصفحات : 427

☆●☆●☆●☆●☆●☆

التراكم في كتابة المناقب لرجالات الصوفية عبر القرون صيرها مادة محاطة بهالة قداسة ، قلما تجد من أشار إليها ببنان النقد أو إصبع الإتهام ؛ حتى غدت عبر هذا التراكم إلى مسلمات يقينية لا يرقى إليها الشك ، فتتناقلها العوام كجزء من مسلمات الثقافة الدينية ، ويسطرها الكتاب جيلا بعد جيل كتاريخ تنثر على جنباته هذه المناقب . غير أن العقود الأخيرة أخرجت لنا دراسات متنوعة ، وأعتنى بها بعض الباحثين الأكادميين فصيروها مادة دراسية خصوصا في المغرب العربي الملاصق إلى حد الإلتحام لهذه الثقافة ، فكان منها هذا الكتاب ( بنية الخطاب المنقبي – طلاق العقل وأوهام التاريخ ) لعبد السلام المنصوري . والمنصوري مؤلف الكتاب متحصل على شهادة دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الخطاب الصوفي ، كما أنه نال شهادة الدكتوراة بعد تحقيقه لأحد أهم المتون المنقبية على مستوى المغرب وهو كتاب ( التحفة القادرية في التعريف بشرفاء وزان والسادة الشاذلية ) في خمسة أجزاء ، فتكونت لديه مكتبة شاملة لمتون الخطاب الصوفي فكانت الرافد الذي بنى عليه كتابه الذي نقدمه .

قسم المؤلف كتابه إلى ستة فصول درس خلال مباحثها الخطاب المنقبي من عدة زوايا . وفيما سيأتي سنقوم باستعراض الفصول وعرض أهم النتائج التي توصل إليها المؤلف المنصوري .

● الفصل الأول : خصائص الخطاب المنقبي .

قسم المؤلف الكتابة الصوفية إلى ثلاثة أقسام هي :
1- الكتابة النظرية : وهي التي اعتنت بتعريف هذا العلم وتأصيله ضمن باقي العلوم الإسلامية ، وذلك من خلفية حجاجية تأويلية تروم إلى جانب التأسيس الدفاع عن هذا العلم ضد دعاوى التبديع والإحداث في الدين .
2- الكتابة الإبداعية : وهي التي ينشئها الصوفي إنشاء ويحررها ابتداء ، تعبيرا عن تجربته الروحية الخاصة ، أو تجربة الطريق العامة ، وتتميز بالتنوع إذ تتضمن الحكم ، والوصايا ، والشطحات، والمواقف ، والمناجاة ، والقصص وغيرها .
3- الكتابة الترجمية المنقبية : وهي التي تعنى بالترجمة للأولياء ، وذكر مفاخرهم ، والتنصيص على مناقبهم وكراماتهم ، وهي موضوع الكتاب .

وقد رصد المؤلف بعد دراسته للأقسام الثلاثة ظاهرة خطيرة في الكتابة الصوفية سماها ب” تداخل الأنماط ” الكتابية ، حيث تغيب في كثير من الأحيان الحدود بين الأقسام الثلاثة فتتداخل فيما بينها ؛ ليجعلها قابلة لقراءات متعددة . كما تبين من خلال استقراء مجمل المدونة الصوفية – وهو استقراء ناقص – أن الكتابة المنقبية هي الأكثر حضورا على مستوى ( الكم ) ، زادها الإمتداد التاريخي والإتساع الجغرافي للدولة الإسلامية تضخما وانتشارا ، إلا أنها في المقابل ( الأضعف ) حضورا على مستوى النوع إذ غالبا ما ارتبطت بتقاليد الثقافة الشعبية في ترويجها للعجائب والكرامات . ومن جهة أخرى نرى أن الكتابة الإبداعية قدمت نصوصا اهتبل بها الباحثون شرقا وغربا فترجمت إلى لغات الأرض من قبيل ( المواقف ) للنفري ، و( المثنوي ) للرومي ، و(منطق الطير ) للعطار .

أما دراسة المؤلف لخطاب المناقب من جهة التاريخ فيرى أن ” الخطاب لم يكن وفيا لروح التاريخ ، ولم يكن أمينا في التعبير عن مقاصده وأهدافه ، بل سرعان ما صنع تاريخه الخاص ، وهو ( تاريخ النموذج والمثال ) الذي يتكرر في كل وقت وحين ” . فهو تاريخ لا يخضع لمنطق النمو والتحول ، بل يخضع لمنطق التراكم والثبات ، واعتماد الكتابة المنقبية على جنس التراجم حصرا ،” بحيث تتراص عشرات التراجم بل مئات التراجم لتشغل مساحة مكانية هائلة ، فتمتد عبر مسافة طويلة دون أن نجد بينها أدنى اختلاف ، بل لوحات ساكنة كأنها مرايا منصوبة “.

● الفصل الثاني : بواعث التأليف ومقاصد الخطاب .

” لا شك في أن بواعث التأليف ودواعي التصنيف تساعد على فهم أعمق لطبيعة الخطاب المنقبي ، وتسمح بالوقوف على مقاصده وأهدافه الكبرى ” . وبعد تمعن عميق في هذه البواعث التي غالبا ما يفصح عنها كتاب المناقب في مقدمات كتبهم ، وجدنا أنها تنقسم إلى قسمين هما :
1- بواعث ذاتية : وهي ترتبط بذات المؤلف وظروفه المكانية والزمانية ، وثقافته ووضعه الاجتماعي . وأنها لا تساعد إلا على فهم وتحديد كل عمل على حدة ، ولا تفيد كثيرا في وضع تصور عام يشتمل على عموم الخطاب المنقبي .
2- بواعث موضوعية : فهي التي يشترك فيها جميع كتاب المناقب ، وترتبط بالجنس الأدبي بحيث تخضع لتقاليده ، وتستن بسننه وأعرافه ، وتدل على وحدة الخطاب المنقبي ، وليس على آحاد النصوص المنقبية . ” وقد قادنا استقراء هذه البواعث إلى حصرها في ثلاثة عناوين : ” البركة ” و” الاقتداء ” و” إحياء الطريق ” . ويقول المؤلف :” ولقد قادنا التحليل ومحاورة نصوص المناقب إلى أن هذه البواعث ليست من طبيعة علمية أو منهجية ، بل هي بواعث إيمانية تربوية وإيديولوجية “. فساهمت هذه البواعث في ضعف الخطاب المنقبي وقصوره وبعده عن الصلابة المنهجية والصرامة العلمية ، والتحقيق التاريخي .

● الفصل الثالث : طلاق التاريخ : من سيرة النبي إلى سيرة الولي .

في هذا الفصل يعرض المؤلف لأهمية سيرة النبي صلى الله عليه وإله في الفكر الصوفي ، وبيان كيفية تعاطيه لهذه السيرة وكيف أثرت هذه السيرة في إنتاج ” سيرة الولي ” . لقد عرفت السيرة النبوية اكتمالها المنهجي منذ وقت مبكر على يد ” ابن هشام ” ، إلا أنها عرفت تطورات لاحقة أضرت ببنيتها العامة ، من هذه التطورات ما يتعلق بتضخم الأخبار ، وحشد الوقائع ، واضطراب المرويات مما أرخى بظلال من الشك على الكثير من مفاصل هذه السيرة . “إن المدخل الأساسي لنقد بنية السيرة الصوفية إنما هو تحديدا مدخل السيرة النبوية ، بالقدر الذي يتبين ويتكشف عن أن سيرة الصوفي إنما هي استنساخ ومحاكاة لسيرة النبي ، بل تظل نسخة باهتة ، ومحاكاة شاحبة على الرغم من كل المبالغات والتهويمات التي انساق إليها كتاب المناقب “. بل لاحظنا في سيرة الأولياء التي لا تكتفي في كثير من الأحيان بالمطابقة مع سيرة النبي ، بل تحاول أن تتجاوز هذه السيرة ذاتها . ” وإذا كانت سيرة الولي هي إعادة إنتاج لسيرة النبي ، فإن كرامات أولياء الصوفية هي إعادة إنتاج لمعجزات الأنبياء “. ويخلص المؤلف بنتيجة في هذا الفصل مؤداها : “… إذا تم تجريد السيرة النبوية مما اعتلق بها من خوارق ومعاجز ، وتم الاقتصار على معجزة القرآن ، وأيضا معجزة الفعل التاريخي الباهر الذي أنجزه النبي الكريم ! فإن هذا كان سيضع حدا لأطنان الخوارق والكرامات التي تسربت إلى التراث الإسلامي بصفة عامة ، وإلى المدونة الصوفية بصفة خاصة “.

●الفصل الرابع : طلاق العقل 1- إمبراطورية الكرامات …

هذا الفصل هو تفريع عن الأصل للفصل السابق . فقد درس فيه المؤلف شيوع الكرامات لجميع القلاع المعرفية في الثقافة الإسلامية ، واختيار المؤلف لعنوان الفصل( إمبراطوريات الكرامات ) يكفي في دلالة التعبير عن ذلك المقصود من الشياع . لاحظ المؤلف أن ” الفكر الصوفي اهتبل بالكرامة أكبر الاهتبال ..فسماها ” شهوة الكرامة ” قياسا على مصطلح ” شهوة الحديث ” الذي أصاب المحدثين القدامى فجمعوا في مجاميعهم الحديثية الغث والسمين ، في حين قلل متكلموا الصوفية من شأن الكرامة واعتبروها نافلة في التصوف ، وبحسبانها عرضا وأن العبرة بالاستقامة ، ولكن عند تحليل المؤلف لأقوالهم وجد أنها لا تترجم إلى أفعال !
ووجد أيضا ،” أن الكرامة على مستوى البنية العميقة تخضع لنموذج تفسيري واحد ثلاثي الأضلاع وهو ” النموذج الخضري ” الذي يستعيد قصة الخضر ونبي الله موسى – عليه السلام – والهدف من هذا النموذج ترتيب العلاقة بين الشيخ والمريد بما يجعل سلطة الشيخ سلطة مطلقة ، تتقاطع مع العصمة إن لم تتحد بها ، وبالمقابل تجعل من المريد فاقدا للإرادة – إن على مستوى الأفعال أو الأقوال – أما التعقل فهو ما لا سبيل للمريد إليه “.

● الفصل الخامس : طلاق العقل 2- سيرة الأولياء وتاريخ الذهنيات .

هنا في هذا الفصل يقدم المؤلف بعد نقده للخطاب المنقبي مقترحا لمنهج جديد في التعامل مع هذا الخطاب ، والاستفادة منه دون الارتهان لمقاصده المباشرة ، وأهدافه المعلنة . فيقدم المنهج الجديد في دراسة ( المباحث التاريخية ) وفق رؤية مدرسة《 الحوليات الفرنسية 》 والتي ركزت على التاريخ الإجتماعي والإقتصادي ، وبخاصة”” تاريخ الذهنيات”” الذي يبحث في العقليات ، وأنماط التفكير ، والذهنية السائدة ، ومجمل أفعال الإدراك الواعية وغير الواعية . ومن النتائج المثمرة التي يتيحها تاريخ الذهنيات أنه يقدم مدخلا مناسبا لفهم التحول الذي يقع في مراحل تاريخية حاسمة عبر الإنتقال من بنية عقلية إلى بنية عقلية أخرى . يقول المنصوري :” … والجميل في هذا التاريخ – أي تاريخ الذهنيات – أنه لا يهمه من قريب أو بعيد مطابقة الأخبار التاريخية للواقع ، ومدى صدقها أو زيفها ، بل ما يهمه بالدرجة الأولى الخطاب ذاته ، بما هو نتاج عقلية معينة ، وذهنية محددة في فترة تاريخية حاسمة ؛ لأن هذا الخطاب يكشف عن طرائق التفكير وأنماط التأويل ، حسب السقف المعرفي لعصر ما ، وطبيعة الجهاز الإدراكي ، وهو بذلك يشترك مع التأويلية الحديثة ( الهرمينوطيقا ) .

● الفصل السادس : طلاق المنهج – الإسناد الصوفي وأوهام التوثيق .

يقول المؤلف :” لا شك في أن الإسناد يعد من أهم ما أبدعته العقلية الإسلامية على مستوى الحديث والتاريخ ، وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت وتوجه لمنهج الإسناد ، إلا أنه يظل منهجا يتمتع بالكثير من الصرامة العلمية والتحقيق التاريخي ..” . لقد انتقل هذا المنهج في التوثيق من عالم الرواية الدينية إلى الحقول المعرفية الأخرى ، كالتاريخية والأدبية ، فأصبح ضيفا محبوبا سرعان ما حل في عالم التصوف فأصبحت سلاسل مذاهبه تتنافس في إسناد طرقها عبر سلسلة مشائخها لتوصلها إلى باب مدينة علم الرسول الإمام علي صلى الله عليهما وآلهما . غير أن المؤلف خلص من خلال دراسته أن أسانيد الصوفية كافة ضعيفة ، وأنها مجرد أسانيد شكلية فارغة ، وجودها وعدمها سواء . وقد قدم تطبيقا عمليا في دراسة كتاب وضع بالأصل لدعم ودحض من يطعن في أسانيد الصوفية وهو كتاب ( البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى سيدنا علي ) للحافظ المحدث أحمد بن الصديق الغماري ، فبين المؤلف ما فيه من تهافت ، وتناقض ، وضعف وهشاشة في الدليل والحجة . فيقول :” … إن معظم ما أورده في سياق دفاعه عن أسانيد الصوفية إنما ينتمي إلى علم التصوف ذاته ، وليس إلى علم الحديث كما حاول أن يوهمنا … مما قد يقنع صوفيا مؤمنا متحمسا ، لكنه لا يقنع باحثا ناقدا ، أو قارئا حصيفا ، وهكذا يفعل التعصب بالعقول “.

■ تقييم الكتاب …..

الكتاب من أنواع الكتب الممتعة للقارئ ؛ والتي يستشعر معها بحلاوة وطرافة الموضوع ، وأنه من الموضوعات الجديدة على الساحة الفكرية . وزاد من متعة الكتاب أكثر أن الكاتب يتمتع بسلاسة وإنسيابية في إسلوبه الكتابي ، فضلا عن حسن التبويب والعرض .

غير أن الكتاب رغم ما قدمنا ما فيه من إيجابية يتسم بعدم العمق والقوة في نقد أسس ومباني ( المناقب الصوفية ) فلم يستعرض المؤلف أدلتهم الكلامية على ثبوتها ، وإنما كان جل نقد المؤلف منصبا على نقد تفشيها وشياعها بين العامة ، والتراكم الكمي للكتب التي وضعت في تدوينها من قبل الصوفية . كما أن الكتاب به تكرار نبه له المؤلف وأعتذر منه مسبقا في مقدمته لطبيعة تقسيم الفصول التي تتشابك في موضوعاتها .

رضي الحصار

2019/2/1 1440/5/ 26

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open