الرئيسية / مقالات / يساورني قلق ، فإلى أين ؟

يساورني قلق ، فإلى أين ؟

📝.. السيد فاضل علوي آل درويش

التفكير السلبي يعني انطلاق العقل في استحضار صور الماضي و اجترار الآلام ، أو التجول بين أروقة المستقبل و التفتيش عما ينتظره فيه من مشكلات تعرقل خطاه و تثبطه و ما سيواجهه من معوقات ، أو محطات نجاح و تقدم و تملأ الفؤاد مسرة و ارتياحا .

الماضي رحل و لم يتبق منه إلا دروس يعتبر منها ، و المستقبل له عوامل و مؤشر اتجاه لا يعلم مجرياته ، و عليه الاستعداد و التسلح بالروح المتفائلة و الصبر في مواجهة التحديات ، و أما القلق الزائد و الاضطراب النفسي الناشيء من مخاوف لا أرضية لها فهي أوهام تعصف بكيانه ، و تصيبه إما بالهيام خلف الآمال الطويلة ذات الأهداف الكبيرة و التي لا تتناسب مع قدراته و مستواه ، و إما يداهمه الخوف و التقلب بين صفحات الخيالات و الهواجس حتى يتملكه التردد و الإحباط .

و أما القلق الطبيعي الإيجابي فهو المتزامن مع العمل المثابر و بذل الجهود و مسح حبات العرق ترقبا لما تؤول إليه النتائج ، فهو محمود و دليل وعي و يشكل يقظة الروح و الضمير و له آثار حسنة على الفرد ، فالقلق الزائد يمثل مرضا خطيرا يودي بصاحبه إلى الردى و الهلكة و الشلل الفكري و التخبط العملي ، و لابد من التخلص منه حتى ينجو المرء من الازدواجية و الانفصام ما بين عالم الخيال الوهمي و بين واقع مختلف تماما ، لا يحتاج منه إلا الاتصاف بالمنطقية و العقلانية و الهدوء في التفكير و اتخاذ الخطوات و القرارات ، فالصورة الواضحة الشافة و الحاكية عن الواقع مطابقة بلا رتوش زائدة أو ناقصة مطلب و منطلق مهم حتى لا يتوه الفرد بين مسارات الحياة المختلفة ، فيقف حائرا لا يدري إلى أين يتجه بعد أن أعيته السبل ، أو يتخبط في كل يوم أو مرحلة يقطعها فلا يبصر إلا مزيدا و إمعانا في الأخطاء .

فالقلق الحسن عين بصيرة على المآلات بعد أداء المطلوب ، فإما أن تظهر بنحو من القصور و النقص بسبب معين عليه أن يفتش عنه ليصححه و يبدأ في محاولة جديدة ، و إما أن تكون الحصيلة كما خطط و عمل و عليه الحفاظ على هذا الرصيد ، و الذي ينبغي أن يتجه باستمرار نحو الصعود لا التحرك نحو مؤشر النزول و الهبوط ، فلعله في نشوة النتصار الوهمي بخطف النجاح في خطوة أو مرحلة ما ، ينبري لما بعدها بقلة مبالاة و ضعف إعداد و خطأ تقدير للمعوقات فيخسر ما بعدها من جولات ، فالحياة ميدان تفكير و منطق يتطلب الحكمة و عمل يتزين بالجدية و الاجتهاد ، و لذا لابد لعينه أن تبقى متيقظة و مراقبة بلا أدنى غفلة ، فهناك عدو يتربص به الدوائر و يتحين الفرص و لا يحتاج منه إلا لغلطة أو أكثر ليسقطه على أرض الإخفاق أو الوهن ، فلنا عدو يخادعنا و لا يمل من بث التسويلات و خواطر السوء .

المخاوف على نجاحك و تحقيق أهدافك ومضة مشرقة في النفس ، تدعو للحذر من التهاون و الكسل و العجلة في بزوغ النتائج ، و تحول يومه إلى جزء بسيط من مشوار غاياته و آماله التي لا تقف و لا تتثاءب ، فإشراقة شمس يوم جديد تعني له الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه ، و مرحلة من التحدي و المواجهة و بناء القدرات و واجهة شخصيته القوية .

و القلق مما يكون و ينتهي إليه مصيره يمثل قمة التوازن و الحفظ و الوقاية ، فختام حياة المرء تتأرج بين المسك و السوء و ما بينهما مستويات متعددة ، و لتحصيل الطمأنينة و هدوء النفس عليه الحذر الدائم من خطط الشيطان و خطواته ، فلا سلام و لا أمان مع ممارسة و مقارفة الخطايا و تكرارها الذي لا يتعقبه تأوه و أنين و توبة ، فسوء العاقبة مجرد تصوره يثير في النفس هاجسا كبيرا و تسري في البدن قشعريرة ، فمن وضع نصب عينيه العذاب الأخروي لم ييأس و لكنه يستحث الخطى بكاشفية بصيرة نافذة ، و يهرع إلى أبواب التوبة المفتوحة على مصراعيها إن أجرم في حق نفسه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open