الرئيسية / مقالات / لماذا نقرأ الروايات؟-2-

لماذا نقرأ الروايات؟-2-

📝.. محمد الحميدي

خامسا: مهما بلغ الخيال الشعري في الغوص بحثا عن المفردات البعيدة والمناسبة للوصف فإنه يظل أسيرا لفهم القارئ الذي ربما لا يدرك الكثير من الخفايا في داخله، سواء لصعوبة اللغة أو لصعوبة العبارة، وبهذا تفوته التفاصيل العديدة، بينما الرواية تهتم، بل تحتفل بالتفاصيل الدقيقة وتفرد لها مساحة واسعة، وهو ما يؤدي إلى اتساع خيال القارئ، وتجعله قادرا على رؤية أدق التفاصيل في حياته، وإدراك مغزى تصرفاته وتصرفات القريبين منه، كما يفيد كذلك في عمليات الاستنتاج التي يقوم بها الذهن في الأحداث المختلفة وكيفية مقاربته لها، ويمكن أيضا أن يفتح أمام القارئ الكثير من الأبواب، حيث إن للخيال ميزة وهي لا تتواجد في الحقيقة حيث يكون قادرا على إكمال الأحداث الناقصة واستنتاج النهايات غير المكتوبة أو غير المذكورة.

  سادسا: الرواية فوق ما ذكرنا تتميز بالتشويق والإثارة والحيوية حيث تتعدد شخوصها وأحداثها ومواقفها فهي تشبع فضول القارئ في معرفة النهايات التي وصل إليها الشخوص وكيف تصرفوا في المواقف المختلفة، وهو ما يقترب من الحياة حيث الاهتمام بالأشخاص ومتابعة أخبارهم ومعرفة أحوالهم، وكيفية تصرفهم في المواقف التي يتعرضون لها.

  سابعا: للرواية ميزة ربما لا يدركها الكثيرون وهي تختص بالقارئ أكثر من الكاتب، باعتبار القارئ المتأثر الرئيس بما يحصل من أحداث وعقد، وهذه الميزة تتمثل في إكسابه القدرة على صياغة أحاديثه بشكل سردي لا يتوقف عند مجرد الإخبار بالأمور الأساسية والأحاديث الجامدة، وهو ما يكسبه القبول في البيئة المحيطة والإشادة به وبدماثة خلقه، كما تجعله قادرا على إيجاد الروابط بين الأحداث، أو إنشائها إن استلزم الأمر.

  ثامنا: تعطينا الروايات الكثير من التفاصيل الدقيقة، بعضها خيالي لا يمت لعالمنا بصلة، لكن أيضا هنالك روايات تذكر التفاصيل الحقيقية وبدقة، وبهذا تتحول الرواية من مجرد عمل سردي خيالي إلى عمل توثيقي يشير إلى التاريخ والجغرافيا والمنتجات الحديثة كالعطور والألبسة والأجهزة ويتحدث عن العلاقات الاجتماعية ويصف ما يحدث في المجالس والأسواق بدقة شديدة تقود في النهاية إلى رسم صورة واضحة عن هاته البيئة أو تلك، فالرواية بهذا المفهوم تغنيك عن الكثير من الكتب في مجالات متعددة منها التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والثقافة والسلوك والأخلاق، والقائمة ستطول كثيرا حين نكمل.

  تاسعا: تُعلمنا الرواية بصورة سرية كيفية محاورة الأفكار والرد عليها دون الحاجة إلى التخاطب المباشر والذي ربما يعرضنا إلى الخطر في حال كانت الأفكار من الممنوعات السياسية أو الدينية أو الأخلاقية، وكثير من الروايات مررت رسائلها إلى القارئ، ولم يستطيع الرقيب منعها أو معاقبة أصحابها؛ لأنها بكل بساطة استخدمت الرمز والإيحاء وابتعدت عن الوصف المباشر، وهكذا تكون الروايات أعظم مُعـلـِّم في التاريخ، حيث تنقل لنا الأفكار وتطرحها أمامنا بهدوء وتناقشها وتصل إلى الحلول، حتى وإن كان بعضها لا يتفق معنا أو مع تفكيرنا.

  عاشرا: تعتبر الرواية طريقا للهروب من العالم الحقيقي، والانغماس في عالم خيالي أو مثالي يخلقه الكاتب، ويرسم من كائناته الجمال المفقود، حيث العالم الذي نعيش فيه يتحول أكثر فأكثر إلى السوداوية والظلامية ويتجه ناحية العدم وانسداد الأفق، وعلى الرواية أن تعيد الأمور إلى نصابها عبر اختراع العالم الجميل، وليس المقصود هنا بالجميل أن يكون إيجابيا دائما بل ربما كان جميلا مع وجود سلبيات ونقائص فيه، لكنه سيظل أجمل من الواقع الحقيقي.

  هي بعض الأسباب التي تدفع الإنسان إلى قراءة الروايات، بل إلى الإكثار من قراءتها وإذا أعجبته رواية ما فربما يعود إليها بعد زمن ويقرأها ثانية لأنها بالنسبة إليه تمثل عالما مختلفا عن عالمه، وتفتح أمامه الكثير من الأبواب، وأنت يا عزيزي، إذا لم تكن قد قرأت رواية من قبل فقد فاتتك الفوائد التي ذكرتها وكثير غيرها مما لم أذكره، فلتجرب الآن، وتبدأ في قراءة أولى الروايات، وأظنك ستشكرني فيما بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open