الرئيسية / مقالات / نفحات شهر رجب

نفحات شهر رجب

📝.. السيد فاضل علوي آل درويش

شهر رجب يعمل فيه المؤمن على تعزيز خطين مهمين في تكامل نفسه و بلوغها درجات عليا في الورع والخشية من الله تعالى ، العامل الأول هو :- علاقته بالله تعالى والتي قد يشوبها بعض الفتور أو الجفاف ، ويحتاج إلى فرصة لتقوية تلك العلاقة وتوهج اليقظة الروحية عنده ، والعامل الآخر هو :- قلع جذور الغفلة القلبية وما نبت فيه من انشغال بزخارف الدنيا ومظاهرها السرابية الخداعة عن محراب الطاعة .
فالشخصية الإيمانية أمامها الكثير من التحديات والأعداء ما ظهر منهم وما بطن ، وتلك الفطنة و النباهة تسعفه في الوقوف على أرضية الحق الصلبة ، ثابت الجنان لا يزيغ ولا ينزلق إلى طريق الانحراف و الفساد الأخلاقي ، وشق طريق التقوى ليس من السهل القيام بخطوات فيه وهو لا يحمل بصيرة واضحة و فاعلة مفعمة برؤى التوحيد والاستقامة ، ولا يحذوه الأمل بالاقتراب شيئا فشيئا من خلال نهجه العبادي من حب الله تعالى و تجنب مواطن سخطه .
من يستغرق في شهواته و تحيط به زخارف الدنيا ينصرف قلبه نحو تلك المظاهر ، بل الأنكى من ذلك أن تكون صلاته ذات بعدين ، ففي الظاهر صورة امتثالية لأوامر المولى وأما باطنها فمحطة للتفكير بأعماله و مشاكله ، فإذا فرغ منها تساءل عن لباس التقوى أين هو ليتدثر به ، يقدم على ربه ويؤدي طقوسا جامدة لا نبض فيها من توجه القلب واستحضار الفكر الواعي ، فالعبادات لها مضامين تحرك وجدان المرء نحو منابع التقوى واليقظة التي تبعث الحياة الإيمانية فيه ، فالمنشغل الساهي بأحوال الدنيا وأحداثها يغفل عن نفسه ولا يمكنه أن يبصر نورانية ونفحات التقرب من الله تعالى ، ولا يتحصل على ما يعده و يهيؤه للقاء الله تعالى في يوم الحساب .
القرب من الله تعالى نستدل على استيلائه و تغلغله في نفوسنا من خلال الأنس بمواطن الذكر وتلاوة القرآن الكريم و الوقوف بين يديه تعالى في محراب العبادة ، ويظهر ذلك النور الإيماني على جوارحه من خلال خطاه الحثيثة في ميادين العمل الصالح و التعامل الحسن الرفيع مع الناس ، ووجل قلبه من التقدم نحو المعصية والاعتداء على حقوق الناس أو الاستجابة لداعي الشيطان والنفس الأمارة بالسوء ، فعقله وأحاسيسه تستحضر الوجود الإلهي و رضاه قبل أن يقدم أو يجفل و يتوقف عن أي فعل و كلام ، فدائرة الحرام يتحرز من الاقتراب منها فضلا عن تسويل النفس باقتحامها والخوض فيها .
وأما العامل الآخر و هو التخلص من غفلة القلب و تبلد الوجدان و الأحاسيس ، ففي شهر الرحمة الواسعة تبرز فرصة ثمينة للتخلص من ظلمة الروح التي نتجت عن انصرافه نحو المظاهر المادية و الاهتمام بتحصيل شيء من ملذاتها وزخارفها ، فغدا لا يدير بالا لمصيره الأخروي ، بل و تبلدت مشاعره فلا تؤثر فيه المواعظ والعبر المخوفة من مصير العصاة والمسيئين وما يلاقونه في جهنم من ألوان العذاب ، فلا ينزجر لنصح أو توجيه يقرأه أو يسمعه بل اكتفى بقشريات وطقوس لا تأثير يذكر لها على وجدانه ، فلا تردعه عن التمادي والتجرؤ على محارم الله تعالى .
يا لخيبة الآمال لمن عمر دنيا فانية سيرحل عنها خالي الوفاض إلا من قطعة قماش تلف بدنه ( الكفن ) ، ونسي و تغافل عن الاجتهاد والمثابرة لإتيان الباقيات الصالحات ، فانشغل بالنزوات و الشهوات متنقلا بينها حتى أورثته عمى البصيرة وفقدان المناعة والضعف والانهزام النفسي أمام هتاف الخطايا ، أما آن له استثمار هذه المحطة العبادية في شهر رجب لإيقاظ قلبه و جوارحه عن تعاطي زخارف الدنيا ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open