الرئيسية / مقالات / سيرة وعطاء

سيرة وعطاء

📝.. الشيخ محمد الطيب

إن سيرة أهل البيت عليهم السلام تعدّ منهجا رائعا للتزود منه أخلاقيا على صعيد السلوك الإنساني الذي أصبح في هذا الزمن المادي في الحضيض مع الأسف، ومع كل هذا التقدم التكنولوجي والعلمي نجد حالة من السقوط الأخلاقي، ولا سبيل لتخطي هذه الحالة الا بالرجوع إلى هذه السيرة العطرة واستلهام عبيرها لتكون نبراسا يضيء طريقنا وطريق أبنائنا من بعدنا.
ومن هذه القصص الرائعة التي قرأتها في سيرة إمامنا السابع من أئمة المسلمين وخلفاء الله على العالمين الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، هي قصته مع المسكين.

فقد ذكر أرباب السير أن رجلا مسكينا ورد على إمامنا الكاظم عليه السلام وهو يطلب حاجته قائلا: مسكين أطلب سد فاقتي بمائة درهم لأشتري بها بضاعة لأتعيش بها مع عيالي. فهنا نلاحظ مدى أدب هذا السائل حيث بين حاجته وفاقته بكل لطف والألطف من ذلك أنه لا يريد أن يكون كلاّ على الناس طوال عمره فيجعل من حالة الاستجداء والتسول ديدنا له في حياته وكما يقول المثل “لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصيد السمك”.

فإن هناك شريحة من الناس نلاحظهم في أغلب المجتمعات قد اتخذوا من الاستجداء مهنة لهم في الحياة لسهولة الحصول على المال من دون تعب يذكر سوى الوقوف على قوارع الطرقات والأزقة والمساجد وغيرها فيحصلون على دخل جيد لا يحلم به حتى أرباب الوظائف المحترمة.
تقول الرواية استقبله الإمام بوجه باسم، وهذا أدب راق من قبل المسؤول فلم يقابله بوجه مكفهر ويقابله بحالة من التعال بحيث يشعر السائل بوضاعته وأنه أفضل منه لأنه المعطي وذاك السائل، بل تبسم في وجهه، وبهذا السلوك الجميل لا يشعر السائل بالضعة ولا الحرج.

نكمل معكم احبتي الرواية: قال له الإمام عليه السلام سأعطيك عشرة أضعاف إن أنت أجبت على سؤالي.
فيالجمال هذا الأسلوب في الاخذ والعطاء مع السائل حيث أن الامام أراد أن يحرك السائل علميا فيكون عطاءا ماديا وعطاءا علميا.
فقال السائل: ومن دون أدنى تردد: سل.
فقال له سيدنا ومولانا الإمام الكاظم عليه السلام: لو جعل إليك التمني لنفسك في الدنيا ماذا كنت تتمنى؟
سؤال جميل وجوابه يكشف عن مدى ما يحمله السائل من ثقافة دينية ودنيوية، وكما يقول ربّ البلاغة عليّ عليه السلام: “المرء مخبوء تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه.
فأجاب السائل بجواب يحمل في طياته ما يحمل من جميل اعتقاد، حيث قال: كنت أتمنى أن أرزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني. ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم مدى أهمية “التقية في الدين” من الحفاظ على الدين والنفس والمال والعرض، فنحن مأمورون بالتقية والتعامل بها إذا خاف الانسان على دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه فالله عز وجل يقول: “إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ”، بالإضافة إلى ما ورد عن أهل بيت العصمة صلوات ربي عليهم أجمعين كقول صادق القول البار الأمين جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: “التقية ديني ودين آبائي”.
والأمر الثاني لا يقل أهمية عن الأول الا وهو “قضاء حقوق الإخوان” وهذا أمر نفتقده في زماننا فالكل مشغول بنفسه ولا يلتفت إلى حاجة إخوانه، صرنا نعيش حالة الأنانية، فما أعظم ثواب وأجر قضاء حوائج الإخوان فقد ورد في بعض المرويات عن نبي الرحمة (ص) كما في كتب الأحاديث: ” ” مَنْ قَضَى لأَخِيهِ حَاجَةً كُنْتُ وَاقِفًا عِنْدَ مِيزَانِهِ، فَإِنْ رَجَحَ وَإِلا شَفَعْتُ لَهُ ” إذن هنا تكمن أهمية قضاء حوائج الإخوان نسأل الله أن نكون منهم.
وإجابة السائل في الواقع تنمّ عن فهم دقيق لمهام الحياة النافعة لعالم الآخرة، إلا أن الإمام صلوات ربي عليه قال له:
” ومالك لم تسأل الولاية لنا أهل البيت؟
فأجاب السائل: ذلك أعطيته وهذا لم أعطه، فأنا أشكر على ما أعطيت، وأسال ربي ما منعت.

بالفعل إن الولاية هي محط قبول بالأعمال فلولاها لا يقبل الله من العبد عملا، إلا أن السائل كان ملتفتا فأجاب بأن الولاية من الأمور التي نالها بخلاف ما طلب من التقية في الدين وقضاء حوائج الإخوان.
فقال الإمام عليه السلام: أحسنت.
وإذا بالإمام عليه السلام يعطيه عشرين ضعفا أي أن السائل كان قد طلب من الإمام مائة فوعده بعشرة أضعاف وبعد الإجابة أعطاه عشرين ضعفا… نعم إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ولم يكتف الإمام بهذا العطاء بل قام بإرشاده إلى مشروع تجاري يدر عليه خيرا.
فقال له: اصرفها في العفص (مادة تأخذ من شجرة البلوط على شكل البندق-يستفاد منها في الأصباغ ودبغ جلود الحيوانات) فإنه قناع يابس.
وفعل ما قال له الإمام الكاظم (ع): فتحسّن حاله وعاش غنيا مسرورا.
صلوات ربي عليهم أجمعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open