الرئيسية / مقالات / فيودور دوستويفسكي – ما له وما عليه … (كتـــاب في مــقالة)

فيودور دوستويفسكي – ما له وما عليه … (كتـــاب في مــقالة)

رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆
2019 …………. 4
● اسم الكتاب : فيودور دوستويفسكي – ما له وما عليه
● زوجة الروائي / آنا غريغوريفنا
● ترجمة وإعداد : خيري الضامن
● الناشر : دار سؤال
● الطبعة : الأولى 2018
● عدد الصفحات : 120

☆●☆●☆●☆●☆●☆

أن تكتب عن روائي عالمي مسألة ربما تعد سهلة إذا كان الكاتب قد قرأ له على أقل تقدير رواية واحدة أو روايتين ؛ حتى تكون مفتاحا لمعرفة جوانب وأبعاد فكر هذا الراوي وأساليبه وجوانب من شخصيته . ولكن إذا كان الكاتب لم يقرأ له أي رواية أو عمل من أعماله الكتابية ، هنا تكمن المشكلة وتلقي بثقلها على الكاتب ! فما عساه يصنع للخوض في ترجمته ؟

” الجريمة والعقاب ” كان جرس هذه الرواية يقرع سمعي منذ الصغر ، ولكن تقلبي بين مختلف الكتب والمعارف لم يجمع بيننا القدر لقاء حتى نحتسي شيئا من مائدة دوستويفسكي الملأى بالعناوين ( الإخوة كارامازوف ) ( المقامر ) ( الأبله ) ( بيت الموتى ) وغيرها . ربما خير معين للتعرف عن قرب على شخصية الروائي فيودور دوستويفسكي وأبعادها بين بريق الشهرة وجراح الحياة من قلم زوجته التي حفظت تراثه إلى آخر عمرها ، وألفت كتابا عن زوجها الروائي في مجلد ضخم كمذكرات أتت على جوانب ودهاليز شخصيته وسر إبداعه .

رواية ” المقامر ” كانت نقطة اللقاء الأول بين الشابة ( آنا سنيتكينا ) كاتبة الاختزال وبين ديستويفسكي الروائي الذائع الشهرة في عصرها ، والمعجبة به بل والمتيمة بكل جديد يصدره . كان من سعادتها أن تكون كاتبة اختزال للكاتب ؛ لتدخل عالم هذا الروائي المشهور ، ومن هذا العمل المشترك بينهما كان مسار الطريق الطويل إلى آخر عمر الروائي ووضعه في قبره .

وجدت أن ديستوفسكي يعيش في شقة بسيطة في عمارة يسكنها العامة من الناس ، وأن هيأة الكاتب تبدو أكبر من سنه الواقعي الحقيقي . وأن الروائي يعيش في ضنك من العيش ، بل في دوامة مالية مفتوحة ، بقي في متاهتها ويعاني ويلاتها إلى آخر عمره . وجدت أن الكاتب برغم كل ذلك مولع بالقمار ” الروليت ” ولم يتخلص منه إلا بعد زواجهما بعد معاناة طويلة الأمد ودخولهما مرحلة الأبوة ، والبدء برسم معالم حياة جديدة كان من متطلباتها التخلص من نفايات الماضي الكئيبة .

كان فارق السن بينهما عقبة ، لكن حب آنا لزوجها الروائي قد تجاوزه ، فرغم طفولة روحها إلا أنها كانت تملك إرادة تثير الدهشة بقدرتها على تحمل الصعاب وإدارة المنزل الجديد، و رعاية الزوج المريض بالمرض المزمن ( الصرع ) . ولذا كان ديستويفسكي محظوظا بهذه الزوجة الأخيرة بعد فشل زواجات عدة قبلها . يقول عامل المطبعة ألكساندروف الذي دأب على التردد على عائلة الروائي في مذكراته :” كانت آنا تجيد العناية بزوجها … وتعامله بتسامح رقيق في منتهى اللياقة والأدب ..فقد أفلحت في إطالة عمره إن صح التعبير ، سنوات عديدة “.

كان السبب وراء اصدار مذكرات آنا عن زوجها أن الروائي عاش كأي كاتب ناجح له مؤيدون وله معارضون ، ولم يبخل هؤلاء بكل نقد يسقطون فيه ديستويفسكي من عرشه الذي أخذ في الاتساع الجماهيري سواء برواياته أو كتاباته المقالية السياسية والأدبية ، حتى وصل الأمر بخصومه إلى اتهامه بالجنون ، وعندما قبل رئاسة تحرير مجلة الأمير ميشيرسكي ( المواطن )لفتر قصيرة على مضض ، كانت الفرصة التي اقتنصها خصومه ليطلقوا عليه أبشع النعوت كالخائن والمرتد والمعتوه والمهووس . وعانى في رئاسة هذه المجلة الأمرين ، وأنتهى به الأمر إلى السجن يومين بسبب إحدى مقالاته فيها ، فتركها وعاد إلى نتاجه الأدبي .

رغم قصر عمر ديستويفسكي إلا أنه كان طاقة انتاجية لا تهدأ ، فهو من جهة روائي مبدع – رغم انتقادات خصومه أن أفكار بعض روايته مقتبسة أو مسروقة – وهو كاتب في مجلته الشهرية “” يوميات كاتب “” التي حققت نجاحا كبيرا في عصرها . وبلغت أعماله الكاملة 18 مجلدا . وكان يحمل في جعبته قبل موته مشاريع حال القدر دون الشروع في كتابتها ، “وهي أربعة مشاريع لا تكفي عشر سنوات لإنجازها . كان يريد أن يؤلف رواية عن كانديد الروسي ، ومرثية الأربعين ، ورواية عن يسوع الناصري – فقد كان متدينا ومحافظا على تراتيل وابتهالات المسيحية – “. ولم يكن تدين ديستويفسكي تدينا عابرا ، بل كان تدينا عميقا إلى الحد الذي تصبح روحه في حالة صوفية استغراقية فلا يشعر بمن حوله ، كما تقول زوجته في مذكراتها . وفي آخر يوم من حياته طلب من زوجته احضار الإنجيل وأشعل شمعة وقال :” سأموت اليوت “.
فتح الإنجيل لا على التعيين وأعطاني إياه ، فقرأت فيه : ” وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ” – الإصحاح 3- كرر ديستويفسكي ما قرات (( وإذا السماوات قد انفتحت له )) وأضاف : ” ألم أقل لك يا حبيبتي أني سأموت اليوم “. وبالفعل مات في ذلك اليوم سنة 1881م ، وشيع جثمانه في بطرسبورغ التي لم تشهد موكبا مهيبا عبر تاريخها إلا له ولمقتل الأمير ألكسندر الثاني بعد شهر من موته .

■ تقييم الكتاب …..

الكتاب هو خلاصة مذكرات آنا زوجة ديستويفسكي الضخم ، الذي تجاوزت صفحاته الألف صفحة ، والتي أمضت فيه خمس سنوات لإتمامه . وهو عبارة عن محطات عنونها المعد للقارئ ليسهل الإلمام بمجمل حياة ديستويفسكي ، وقد نجح في ذلك . فالكتاب سهل البسط والعرض وحسن التبويب مزدان ببعض الصور والرسومات والطوابع عن ديستويفسكي .

الجميل في مثل هذه الكتب والمذكرات أنها تعرض للقارئ الجوانب الخفية من شخصية الكاتب المبدع ، وترينا صورة مغايرة عما تصورناه . وترينا أن طريق نجاح الكتاب الكبار ليس معبدا بالورود والراحة كما قد يظن .

رضي الحصار

2019/4/1 1440/7/25

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open