الرئيسية / مقالات / تربية فلذات الأكباد

تربية فلذات الأكباد

📝.. السيد فاضل علوي آل درويش

مهما قيل في تأثير العوامل المتداخلة المؤثرة في تربية الأبناء و خصوصا مع إطلالة وسائل التواصل الاجتماعي ، فإن البيئة الأسرية تبقى الحصن الأول الذي يتلقى فيه الناشئة معالم و مفاتيح التعامل مع الظروف الحياتية و أسس العلاقات المستقرة ، و هذه الأهمية تلقي بظلال المسئولية الملقاة على عاتق الوالدين في تنشئة أبنائهم على التسلح بالمعارف و القدرة على تحمل الصعاب و تخطيط الحياة وفق أهدافهم .

المسئولية الأسرية لا تقتصر على عطاء الوالدين المادي المتمثل بتوفير مستلزمات الحياة الكريمة و تأمين أعباء المنزل ، فهذا جانب مهم و لكن الوجه الآخر هو الأهم و هو تحمل أعباء التربية و التوجيه ، و هي مسئولية جسيمة تحتاج إلى متابعة و عمل مثابر و حوار هاديء مع الأبناء ، و يتنصل البعض من تحمل هذه المهمة الكبرى تذرعا بمبررات غير مقبولة أبدا ، فالبعض يسوق لفكرة حجم و مدى التأثير للعوامل الجديدة المؤثرة و بقوة كالإعلام و وسائل التواصل ، و لذا فليس من المجدي – كما يعتقد – الاهتمام بترسيخ الآداب و السلوكيات الأخلاقية الرائعة فيهم ، و هم بعد فترة زمنية سيظهر عليهم صبغة تخالف التوجيه الأسري ، فما فائدة الجهد المضني الذي لا يرجى منه تحقيق أي تطلع أسري ؟!
و في المقابل هناك من تحملوا مسئولية تربية أبنائهم و تجشموا العمل المضني و المتابعة و الإرشاد و التثقيف بلا ملل و لا كلل ، و هي ليست بالمهمة السهلة و لكنهم يضعون هدفا ساميا في مرمى تهديفهم ، ألا و هو السير بفلذات أكبادهم نحو الارتقاء بشخصياتهم لعلياء النجاح و التفوق ، و يمسح حبات العرق من جباههم كل تقدم في قدرات فلذات أكبادهم يحققونه على مختلف الأصعدة الحياتية .

و مساندة الأبناء تشمل المساعدة على تجاوز العقبات التي تواجههم في مدرستهم و علاقاتهم و طموحاتهم ، فالتعامل مع أي مشكلة دون التهرب منها أو اتخاذ التسويف و الاتكالية حلا و وسيلة يشكل ضعفا في شخصياتهم ، و الصحيح هو التعامل بهدوء و تفكير في المخارج و النتائج و تحمل مسئولية الحل و التحلي بالصبر و تحمل تبعات أي خطأ أو تقصير ، فهذه المنهجية المنطقية تحتاج إلى الاستناد خبرة و تجارب الآباء و الأمهات ، و الوقوف معهم في كل خطوة يقدمون عليها مع تشجيعهم و تقديم المحفزات لهم ، بالتأكيد أنه سيمنحهم الثقة بالنفس و الأمان الأسري ، و يفتح لهم إطلالة على فهم راحة البال و التنعم بالسعادة و الهناء ، إذ يكمن في العمل المثابر لا الكسل و اليأس .

الأجواء الأسرية المستقرة و المبنية على التفاهم و الاحترام و الثقة المتبادلة بين الأفراد تعد بيئة خصبة تترعرع فيها السلوكيات الإيجابية كالصدق و تحمل المسئولية و الهمة العالية ، و يتحفهم الوالدان بالعاطفة الجياشة التي تشع حنانا و حبا يورثهم الثقة بالنفس .
و مسئولية التربية هي الدور الأعظم و الأهم الذي يؤديه الوالدان تجاه أبنائهم ، و ذلك من خلال التوجيه و الإرشاد للآداب و القيم و التصرفات الرائعة ، مع متابعة – و ليس تلصصا – لسلوكياتهم و أفكارهم و يقيمون أداءهم ، و ليس هناك أنجح في التربية و التوجيه الأسري أنجح و أنجع من القدوة الحسنة ، فيحاكي الأبناء طريقة حوار و تصرف آبائهم و أمهاتهم ، فاحترام الآخر و مراعاة حقوقه ومضة سلوكية يقدمها الوالدان لأبنائهم و تعد أفضل من كلمة و كلمة و كلمة ، فالانفصام السلوكي عند الطفل ينشأ من المباينة التي يراها ما بين قيم و مثل يتلقاها بينما يعاين خلافها في سلوك والديه و معلميه ، إذ حينها يجد نفسه في حيرة من أمره و لعله يتبنى أسلوب التلون و الخداع بسببهم .

و آخيرا فإن العقاب التربوي يشكل حافزا على التخلي عن التصرفات و السلوكيات غير المرغوب فيها ، فالتراخي و اللا مبالاة بما يظهر منه من كلمات و تصرفات سلبية سيقوده نحو ترسخها و التعامل بها عندما يكبر ، فالدلال الزائد لا ينجم عنه إلا خلق روح الاستهتار و الاتكالية و التكاسل عند الطفل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open