الرئيسية / مقالات / كسرة خبز

كسرة خبز

📝..جعفر العلي

“أيها الطماعون، أشباه القطط الجشعة، هناك خبز كثير في هذا العالم، يكفي لئن يأكله الجميع كل يوم؛ فلماذا الانقسام، والطبقية، والعنصرية “

أشرقت عيناه العسليتان، ذلك الطفل البرئ، وأشعة الشمس المتوهجة تصفع وجهه بحرارة، وهو مستلقي في حجر والدته الفقيرة، التي اعتادت أن تقف عند صانع الخبز؛ ليتصدق عليها برغيف واحد.

استيقظ الطفل، وصوت الجرذان ينهش كسرة الخبز اليابسة التي يتركها لها، كعادته في كل ليلة، ولأنه كان ينتظرها، ابتسم عند رؤيتها، ثم عاد لظلمته، وغفى.

وقفت بعض النسوة الفقيرات، يتهامسن:

– مرت أربع ساعات، ولم نحصل على رغيف واحد، و أطفالنا تتضور جوعًا.

– أششششش أصمتن، لئلا يسمعكن صانع الخبز، ويطردنَا جميعًا، فنخسر حتى هذا الرغيف.

استيقظ الطفل مجدداً على همسهن، فرأى أن الجرذان لم تبقِ من الكسرة شيئاً !!

حاول الطفل التملّص من ذراع أمه؛ ليقف، وقد ارتسمت ابتسامة أخرى بريئة على شفتيه البيضاوتين، اليابستين، كان يعتقد، أنه بعد تقديم هذه الوجبة للجرذان، وحرمان نفسه من نصف حصته، سيستطيع أن يلعب معها عرفانًا منها لكرمه حسب براءته.

مشى بـخطواته المنهكة؛ حيثما كانت الجرذان، لكنه لم يجدها، فقد انقضّت على كسرة الخبز، وهربت، فاستاء من ّتصرفها!

بحث هنا وهناك، شمالاً وجنوبًا، فلم يجد لها أثراً، فعاد يجر خيباته المعتادة، فلا يوجد أطفال بعمره؛ ليلعب معهم.

نظر لأمه مستغرباً ،
وأعاد على مسامعها نفس الأسئلة البريئة .

_ألا تكفيها كسرة الخبز يا أمي ؟ فـ لم إذاً رحلت لتبحث عن وجبة أخرى؟ فهي تكفينا طوال اليوم.

ِلمَ رحلت، وأنا أطعمها كل يوم؛ من أجل أن تلعب معي ؟
هَل سَتموت من الجوع ؟

ثم عاد أدراجه مثل كل مرة، لـ كتفي أمه، فتوسدهما باكياً، ثم غفى.

ضمته أمه لصدرها، وهي تستشعر معاناته، وبقيت حزينة، تنظر إلى براءة رغباته، فقد عاش وحيدًا محرومًا من الصحبة لشدة فقره، لايدرك معنى الرفقة إلا مع الحيوانات.

وآسفاه، فـ هناك جوع كثير في هذا العالم؛ ليس فقط للأكل، والملبس، ولكن للرأفة، والعطف، والمحبة، وهدم جدار الطبقية، والعنصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open