الرئيسية / مقالات / لعلكم تتقون (٤)

لعلكم تتقون (٤)

السيد فاضل علوي آل درويش

الصوم ذو أبعاد ثلاثية:
ورد عن أمير المؤمنين (ع) :صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة و اختيار خوفا من العقاب و رغبة في الثواب و الأجر ، صوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم ، و خلو القلب من جميع أسباب الشر )( مستدرك الوسائل ج ٧ ص ٣٦٧ ) .
الغاية المتوخاة من فريضة الصوم هو صناعة الإنسان في عملية شاملة لفكره و قوة إرادته ، فالإمساك عن الطعام و الشراب و بقية المفطرات إعداد للنفس و تهذيبها على الترفع عما حرم الله تعالى ، و الوقوف عند تلك الحدود فلا يتخطاها و لا ينصت لصوت الإغراء و التزيين لارتكابها ، و هذا ما ينعكس على فكر واع يستشعر المخاطر لعواقب الأمور فيقدم الرؤية المنطقية على مجازفة الأهواء و عمى اتباع الشهوات ، فتتجلى الاستقامة السلوكية من جوارحه إذ تصوم العين عن نظرة الحرام ، و الأذن عن استماع آفات اللسان كالغيبة ، و اليد عن الامتداد الجائر على حقوق الآخرين .

و تستمر رحلة التهذيب و السمو إلى نقطة حساسة جدا ألا و هي المشاعر الوجدانية و توجيهها وفق الضبط و العقلانية ، إذ انفلات الأمور و إطلاق العنان لقلوبنا لتصنع ما تشاء في لحظات الانفعال و الغضب يدخلنا في دائرة الخطايا ، فيمارس القلب عملية سلبية بتوطين الكراهيات و الأحقاد و تجاهل الآخرين و استنقاصهم لمجرد سوء فهم أو احتكاك حواري ، فيأتي الصوم ليضعنا على سكة الفطرة الداعية إلى الوئام و الإخاء و احترام الآخرين ، و تجنب الدخول مع الآخرين في معارك جانبية و خلافات ينجم عنها القطيعة ، فكل توتر أو انزعاج يمكن معالجته بدون توجيه المشاعر نحو السلبية و البغضاء ، و الشهر الكريم فرصة سانحة لتصفية الخصومات و الخلافات حيث تهدأ النفوس و تنقى في وسط الأجواء الروحانية ، و الغاية المؤملة هي قوة إرادة على مستوى البدن بالإمساك عن المفطرات ، و قوة إرادة على مستوى النفس و الانزجار عن التفكير في الآثام و الارتداع عن مقاربة أسبابها و السبل المؤدية إليها ، و قوة إرادة على مستوى القلب فلا يحول علاقاته و حواراته إن حدث خلاف إلى مرتع للكراهيات و اصطناع الحواجز .
و المؤمن لا يواجه مهمة سهلة في الامتناع عن المفطرات ذات الأبعاد الثلاثية بمفهومها الشامل للبدن و النفس و القلب ، بل يحتاج مع قوة الإرادة للتحلي بالصبر و تحمل مسئولية المواجهة مع المغريات و الدوافع السلبية ، فيتحكم في نفسه و يضبطها وفق الشارع و العقل لا الأهواء المتفلتة في كل اتجاه .

و هذه الصناعة و التزكية لنفسه و جوارحه تعود عليه بالنفع على مستوى علاقاته الأسرية و الاجتماعية ، فجارحة اللسان – مثلا – لا يمكن التكهن بويلات انفلاتها و اعتدائها على الآخرين بالكذب و الشتم و الغيبة و النميمة و الفتن و الانخراط في الاحترابات ، فالمعارك الكلامية محرقة للحسنات و الصفات الجميلة التي يتحلى بها الفرد ، و تحوله إلى فوهة مدفع متحفز لتوجيه نيرانه باتجاه كل من يختلف معه ، و تحرمه من تعطير لسانه بعبق تلاوة القرآن الكريم و الأدعية و كنوز الحكمة للمعصومين (ع) ، فاللسان الذي يستوطنه الانفلات يفتقر إلى انضباط المنطق و العقلانية .

إنها ساحة جهاد النفس تجاه ميولها المتفلتة و مشاعرها السلبية و غلبة العقل على الشهوات ، و الانتصار الحقيقي الذي يحققه الإنسان هو الغلبة على ما يسقطه في وحل المحرمات و القبائح ، فالحياة محطات اختبار و ابتلاء بمختلف المغريات و الأهواء ، و في كل مواجهة يختبر قدرته على الممانعة و كبح جماح النفس ، فإن استطاع الانتصار و اجتنابها حقق نجاحا مرحليا ، و إن ضعفت نفسه و استجابت لنداء الشهوة تسلح بالتوبة و معاودة المواجهة مجددا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open