الرئيسية / مقالات / الإمام المجتبى يحذر من الاغترار بالدنيا

الإمام المجتبى يحذر من الاغترار بالدنيا

السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن الإمام الحسن المجتبى (ع) : إن‌ الدنيا لا يدوم‌ نعيمها ، و لا يؤمن‌ فجيعها ، و لا تتوقى‌ مساويها ، غرور حائل‌ و سناد مائل‌ )( تحف‌ العقول‌ ص‌ ٢٣٩ ) .
ليس هو برهبنة و رفض لحياة ملؤها تحقيق الذات و رسم الأهداف المستقلية و الطموح بنيل أعلى الدرجات ، و لكنه التحذير من آفة الاغترار بالدنيا و نسيان حقيقة مقدميتها لحياة الخلود الأخروي ، فليحذر من آفاتها التي تصيب بصيرته بالعمى .
فهم حقيقة الدنيا الزائلة من عدمه هو الفارق بين أصحاب العقول النيرة و أهل الغفلة و السهو ، فالمرء فيها كمسافر يقطن فندقا أو دارا مستأجرة ما يلبث أن يرحل عنها ، و من الوهم و قلة الفكر أن يعمر الإنسان و يجري تعديلات أساسية على مقر يسكنه لفترة ثم يغادره ، و أما العاقل فهو في حذر منها إذ لا يراها أكثر من دار فانية و قنطرة يعبر منها نحو دار الخلود ، فلم تعم أبصارهم بزينتها و مغرياتها و زخارفها بل أخذوا منها قدر الكفاف و تسربلوا بالعفاف ، و صرفوا همتهم نحو إتيان الأعمال الصالحة و الخيرات ، و عمر أهل الدنيا القصور و تلحفوا بالمظاهر الفاخرة فما وعوا إلا و قد حلت مناياهم ، و أما ارباب البصائر فقد كان تطلعهم و آمالهم متعلقة بعالم الآخرة و مبوأ الصدق فعاشوا الورع عن محارم الله تعالى و تحلوا بالمرتقى الأخلاقي .
و لو تفكر الإنسان بأدنى تأمل حتى يبصر الطريقة التي يسير عليها و الأهداف التي يرسمها لانطلاقته نحو مستقبل مشرق لتوقف عند أولى الحقائق ، و هي أن هذه الدنيا كما يبين الإمام المجتبى (ع) محض السراب و أضغاث الأحلام و الخيال الموهم في دوامها و الخلود فيها ، فما هي إلا كبذرة تراها تترعرع كل يوم حتى تكبر و تثمر ثم تذبل و تصفر ، فأي مستند عقلي يحتكم عليه في آماله المتطاولة من يؤمل الحظي بنعيمها الدائم و هي سرعان ما يصيبها الأفول و الفناء !!
و الأمر الآخر الذي ينبغي النظر فيه هو مدعى القوة و الضمانات التي يتلقاها من احتضنها و بادلها العشق و الهيام ، فالإنسان محض الضعف في إرادته و نوال غاياته و تحصيل مساعيه ، فمظاهر الثروة و السعة المالية قد يصيبها الزوال في أي لحظة بسبب حادث ما ، كما أن تنعمه بشيء من مظاهرها مرهون بصحته الدائمة ، بينما أضعف المخلوقات من جراثيم و فيروسات تقعده طريح الفراش ، و تفقده الشهية لألذ الطعام و يعاف التمتع بأجمل أوقاته ، فتغيب بسمته و تعلو محياه الكآبة و الحزن مع مروره بأي أزمة أو مشكلة في حياته ، فهل مثل هذه الدار الفانية تستحق كل هذا التقاتل و الاحتراب على متاعها و هو يخرج منها خالي الوفاض لم يظفر إلا بكفن يستر عورته و بدنه ؟!
و أي سعادة حقيقية يراها الإنسان في حياة امتزج حلوها مع مرها ، بينما هو في لحظات يسر فيها قلبه و يهنأ عيشه و إذا بخبر مؤلم محزن يسلبه الفرح و راحة البال ، فهذه الدنيا لا تصفو مشاربها لأحد بل الفجائع و الأحداث الحزينة تقصم الظهر .
و الاغترار بالدنيا و حب مظاهرها و التعلق بها لا يكسبه إلا المساويء ، فيصيبه الغرور و التشدق بمظاهرها الخداعة و التفاخر به ، و تطول آماله حتى يعثر به أجله ، و لا يمكن لعشاق الدنيا أن ينعتقوا من أغلال شح النفس و البخل و فقدان الإحساس بآلام و حاجات الناس من حوله ، و غيرها من الآفات التي تقسي قلبه و تبلد وجدانه و يخفت بريق فكره .
و هل يمكن لأحدنا أن يتقبل معاشرة و مصاحبة كذاب يمكر به و يخدعه ، أم أنه سيسعى للحذر منه و من أشكاله و يتوقى صداقتهم لأنه لا يأمن غوائلهم ؟
و الدنيا تدغدغ مشاعر الإنسان بزينتها و متاعها فيحسب أنه له طول المعيشة و البقاء و لا يفيق من غفلته إلا بحلول أجله بغتة ، فهل يوقظ بصيرته تبدل أحوال الدنيا و صروفها المتباينة و ما يحفها من أكدار و همموم و أحزان ، و من ثم تصفو نفسه نحو التكامل و السمو في مسير العمل الصالح ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open