الرئيسية / مقالات / فرغت فؤاده لحبك

فرغت فؤاده لحبك

📝.. السيد فاضل علوي آل درويش

الحب هو ذاك الشعور الوجداني الذي يدغدغ مشاعرنا و يتملك أنفسنا نحو ما يمتلك مقومات الجاذبية و الجمال ، و مع اختلاف المدارس و الرؤى في تعريفه و تقديره و تجذيره يبقى الاتفاق على منبعه و آثاره ، فالحب ضياء يشرق و يمتد مشعا في كل مناحي الحياة و يكسبنا راحة البال و الأمان و الأمل ، و لا يمكن أن يكون يوما سببا للبلاء و الشقاء و الحرمان ، و لا يخلف في النفس من الذكريات ما يسوء بل هو امتداد للجمال و السرور ، فهل يمكن لشيء من المحبوبات أن تورث الأفراح و تختفي عنها الآلام و الأحزان ؟

لو نظرنا إلى دنيانا سنجدها محض التلون بالآلام و المنغصات و البؤس و لا تصفو مشاربها لأحد ، فمجرد التفكير في الرحيل عن الدنيا يوما و تخليف كل شيء من ورائنا ، يكسب أصحاب العقول الوعي و الوقاية من الافتتان بحب شيء من نعيم سنرحل عنه ، فهل يستحق منا كل ذاك الجهد و التفكير و الانشغال بما سنختفي عنه و نخرج خاليي الوفاض إلا من قطعة كفن تستر أبداننا ، فالآمال بما سنفارقه لا محالة كعشم العطشان بما يتراءى أمام ناظره من سراب يحسبه زلالا ، فالحب لهذه المعشوقات لا يدوم و له أمد محدود لا نعلمه لكن اليقين بمفارقتها يقطع حبل الوصال و المودة لها .
و محدودية قدراتنا تفقدنا الوثوق بظفرنا بها على نحو الاستمرار ، فالحياة لا تسير بوتيرة واحدة و هذه سنة فيها لا يستثنى منها أحد فسرورها ممزوج بحزنها و همها .

إذا كان هناك من شعور واع و صادق فليكن لما يتصف بالدوام و القوة في الظهور ، و يحمل كل آيات الجمال و إشراق الأنفس نحوه بالشعور بالأمان و ليس هناك إلا الله تعالى الخالق المنعم ، فبقربه لا تلحظ وجودا للحزن بل هو الأمل بالاستظلال برحمته و كرمه ، و لا تكلف و لا مشقة في حظيك بوجوده معك إلا فقط أن تستشعر في قلبك حضوره معك ، و كل ما حولنا يذكر بجمال الصنع و الإبداع لله عز و جل ، و لا انكشاف لرحمته إلا أن تدير ظهرك و تغشاك الغفلة و شرة السهو ، لا يحب لك إلا الكمال و الاتصاف بكل ما هو جميل من الأفعال و العذب من الأقوال ، و إن أغضبته بتنزلك لوحل الرذيلة و مآواتك للضعف لأغلال الشهوات المذلة ، فإن شعورك بالندم مهما تأخر و رغبتك بتلمس تحنانه لك كاف في إعادة حبل الوصال ، بلا استحضار و لا ترتيب أثر على ما مضى منك من سوء بل يمحى ، و لم يجبرك على حبه و البقاء في دائرة طهارة النفس التي يريدها لك أو التخلي عنها و الاتجاه نحو جموح النفس ، بل وهبك قبسا هاديا لك و يساعدك على اختيار طريق الصواب .

و حبه تعالى لا يهبك الضعف و إحاطة الهواجس و القلق بك ، بل يهبك قوة التوكل و الثقة بالنفس و يدفعك نحو خوض غمار التحديات و المصاعب دون توتر ؛ ليقينك بأن مقاليد الأمور تدبيرها و تسييرها وفق الحكمة و العدل بيده سبحانه فلم الخوف ؟
و الخلاصة أنه لا مجال للمقارنة بحب الآخرين فقد ينقلب أقرب المقربين إلى عدو شرس و ينقلب الانجذاب إلى برود في العاطفة و قد يتطور إلى التجاهل و الكراهية ، و ما حولنا من أسباب القوة من مظاهر و ممتلكات فإنها لا حظ لها من الحب فهي بعد دون آجالنا و رحيلنا بدقائق تدير ظهرها نحو غيرنا !

إن كنت صاحب عقل واع فسيرشدك نحو حب ما لا يورثنا قربه الحزن و الهموم و الآلام النفسية بالخوف من فراقه ، فلنترك العشق للزائل المتزلزل في وجوده معنا فلا صحبتها و الهيام بها يمدنا بالراحة و السرور ، بل وجودها في قلوبنا كالقبضة باليد على الجمر تحرقنا ، فالمنغصات و المخاوف تصحبها كالظل لا تفارقها ، و إن لم نظفر بها بعد طول تخطيط و تنفيذ فستصيبنا الحسرة و الندم ، فلم يبق لمن لا غشاوة على بصره و بصيرته إلا منح حبه للواحد القهار و ما يذكره به من كناب يقرأ آياته و أولياء حققوا حبه قولا و عملا نتخذهم نبراس قدوة يسير على نهجهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open