الرئيسية / مقالات / هل في القرآن أعجمي ؟

هل في القرآن أعجمي ؟

كتاب في مقالة
📝.. رضي الحصار

☆■ سلسلة كتاب في مقالة ■☆

2019 …… 6

● اسم الكتاب : هل في القرآن أعجمي ؟

● المؤلف : د.علي فهمي خشيم

● دار : دار الشرق الأوسط – لبنان

● الطبعة : 1997 م

● عدد الصفحات : 208

☆●☆●☆●☆●☆

ربما لا توجد لغة حية بكرا في العالم إذا كانت في عملية تواصل مع أخواتها وجيرانها من اللغات الحية ، فاللغات كما البشر في عملية تأثر وتأثير . فكل لغة تستعير وتدخل في نسيجها اللغوي ما تحتاجه من كلمات من اللغات الأخرى ، واللغة العربية إحدى هذه اللغات الحية والحيوية أخذت من غيرها وكذلك أعطت ما يحتاجونه ، هذا على مستوى اللغة العامة المستخدمة بين العرب ، فهل في القرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين قد دخله دخيل من الألفاظ الأعجمية التي اصطلح عليها العلماء بالمعرب ؟ وهو القرآن الذي تحدى الله به العرب أن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثله .

يعرف ” التعريب ” بأنه نقل اللفظ من العجمية إلى العربية ” ، ويجب أن يتوفر فيه شرطان لكي يطلق عليه اسم ” المعرب ” ، وهما :
أولهما : أن يكون اللفظ الأعجمي المنقول إلى اللغة العربية قد جرى عليه إبدال في الحروف وتغيير في البناء حتى صار كالعربي .
وثانيهما : أن يكون اللفظ قد نقل إلى العربية في ” عصر الاستشهاد ” ذلك بأن يرد في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف ، أو كلام العرب الذين يحتج بكلامهم . ولذلك نرى أن أصحاب المعاجم كثيرا ما يقولون بعد ذكر المعرب :” وقد تكلمت به العرب ” . وأما ما نقل إلى العربية بعد انقضاء عصر الاستشهاد فيسمى ” مولدا ” ، وكذلك ما اشتق بعد انقضاء عصر الاستشهاد من معرب قديم يعد ” مولدا ” أيضا .

انقسم الأقدمون حول مسألة دخول المعرب أو اللفظ الأعجمي في القرآن إلى قسمين : معترض ورافض لمقولة دخول أي لفظ أعجمي في القرآن ، ومعلل ما زعم أنه أعجمي بمقولة ( توافق اللغات ) ، ومن القائلين بها على سبيل التمثيل : الشافعي (ت/204 هج ) وأبوعبيدة ( ت/ 210 هج ) والطبري ( ت/ 310هج ) .
وأما من القائلين بدخول الأعجمي في القرآن من الأقدمين ووضع في ذلك مؤلفا منهم : الفراء ( ت/ 206 هج ) في كتاب ( لغات القرآن ) ، والأصمعي (ت/ 216 هج ) في كتاب بنفس الاسم ( لغات القرآن ) . ويرجع السيوطي أن عبدالله بن العباس كان أول من تعرض لهذه المسألة في كتابه ( الاتقان ) ، كما وضع السيوطي نفسه كتابا باسم ( المهذب في ما وقع في القرآن من المعرب ) .
” وقد ظلت المسألة تشغل أذهان الباحثين المحدثين في الدراسات القرآنية ، وهم أيضا انقسموا إلى فريقين ، يمثل الفريق الأول للأستاذ أحمد محمود شاكر ، ويمثل الفريق الثاني الشيخ حمزة فتح الله .

قام الدكتور حلمي خليل بتقسيم الألفاظ ( المعربة ) التي وقعت في القرآن حسب رأي السيوطي في مؤلفه ( المهذب ) إلى العائلات اللغوية الحديثة ، فكان هذا الجدول ممثلا ببعض الأمثلة كالتالي :
أ – اللغة العبرية : أخلد – الأواه – عير – جهنم – طوى – اليم .
ب – السريانية : أسفار – ربانيون – رهوا – سريا – الطور – عدن – القيوم .
ج – الحبشية : ابلعي – الأفنان – الأواه – الأواب – الجبت – دري – السكر – شطر – طه – طوى – مشكاة -منسأة .
د- النبطية : الأسفار – الأكواب – تتبيرا – الحواريون – حوب – رهوا – سفرة – طه – فردوس – ملكوت – وزر .

ويعلق الدكتور حلمي خليل على ما تقدم بقوله : ( هذا هو ما نسبه علماء العربية وجمعه السيوطي إلى العائلة “اللغوية السامية ” من ألفاظ القرآن . ونلاحظ أن بعض هذه الألفاظ قد نسبت إلى أكثر من لغة ، وكثيرا ما تكون نسبة بعض الألفاظ إلى بعض اللغات السامية التي عرفها بعض القدماء نسبة خاطئة ) . ومرد ذلك يرجعها المؤلف إلى أن “… في الدراسات اللغوية الحديثة المعاصرة ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ما يسمى مجموعة [ اللغات السامية ] والتي نفضل أن ندعوها { اللغات العروبية } كانت لغة واحدةفي الأصل ، أو ذات أصل واحد . وأن هذه التقسيمات من شمالية وجنوبية وغربية وشرقية ، ومن أكادية ، كنعانية ، سبئية ، مصرية …الخ ليست إلا 《 لهجات 》 وبذا فإن ما يسمى : عبرية ، سريانية ، حبشية ، نبطية كلها تصدر من منبع واحد . ومن الثابت أن اللغة المصرية القديمة وابنتها القبطية ، وكذلك الليبية القديمة التي تسمى البربرية أو الأمازيغية وقسما كبيرا من النوبية …كلها( لغات عروبية = سامية ) . والمؤكد أن هذه التقسيمات اللغوية فكرة برزت في القرن الثامن عشر على يد ( شلوتزر ) الذي استوحاها من التوراة ولا أساس لها من العلم ” .

عرض المؤلف الآيات التي استند فيها الرافضون لمقولة أن في القرآن أعجمي ، وهذه بعضها :
( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ )

( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ )

وأن الاختلاف نشأ أصلا عن فهم كلمة ( عربي ) التي يوصف بها القرآن الكريم في مقابل كلمة ( أعجمي ) ، فقد فهمت ( عربي ) باعتبارها نسبة إلى أمة العرب ولغتهم ، بتحديد قومي ولغوي معين ، وما عداه فهو ( أعجمي ) .
ورغم أن الدلالة العامة تجيز هذه المقابلة ، فقد يقال إنه ليس ثمة ما يمنع من فهم ( عربي ) بمعنى : الواضح ، الجلي ، غير الغامض . وهذا ما يفيده الجذر ( ع ر ب ) أي ( بدا ) و ( ظهر ) . ويؤيد هذا الفهم الصفة الأخرى [ مبين ] ( بلسان عربي مبين – وهذا لسان عربي مبين ) فالوصف بالبيان أو الإبانة أو التبيين يدل على أن المقصود هو الوضوح والجلاء وعدم الغموض في مقابل ( العجمة ) [ أعجمي ] التي يفيد جذرها ( ع ج م ) العكس .

هذا الفهم للصفة [ عربي ] وليس النسبة قد يحل المشكلة جزئيا ، وقد يساعد في ترجمة الكلمة بالمعنى الذي قدمناه حين تنقل معاني الكتاب العزيز إلى اللغات الأخرى غير العربية ، لكن جزء المشكلة الآخر يظل في الآيات من مثل : ( قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) و ( ) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) و ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) .
وقد نجد الحل هنا في القول بأن مادة [ ع ج م ] ومنها أعجمي تقابل [ ع ر ب ] . الأولى بمعنى الإبهام ، عدم القدرة على البيان ، العجز عن الكلام السوي أو الكلام اطلاقا . والثانية بمعنى : بين ، أوضح ، وضح ، أبدى ، كشف ، أظهر ..الخ ، فالمقابلة في أساسها إذا هي بين الوضوح والغموض … ولا تتصل بفكرة ( الدخيل أو الأجنبي ) في اللغة . لكن الفهم العام قديما وحديثا جعل الصفة ( عربي ) في مقابل ( أعجمي ) بتحديد قومي ولغوي ، وربما عرقي ، ومن هنا كان هذا الخلاف المعروف في الموقف من احتواء القرآن الكريم على ألفاظ غير عربية أو عدمه “.

كانت نتيجة المؤلف من دراسته للموضوع أن خلص إلى الألفاظ التي جمعها المؤلفون في هذا المجال كانت بين قسمين هما : إما أن تكون عربية خالصة ، أو عروبية أي من إحدى اللهجات العربية القديمة التي تتحد مع العربية في الجدر اللغوي . ولذا يقول المؤلف :” لذا ينتقض الأساس التقسيمي التعسفي الذي انبنى عليه الادعاء بأن هذه الألفاظ العروبية ( السامية ) ليست عربية . فقد كان النبط عربا كما كان السريان ( الآراميون ) وكما هو قسم كبير من الأحباش بتأثر الهجرات العربية . وكما كان الأكاديون والكنعانيون والمصريون والليبيون القدماء “. وللمؤلف تفصيل في غير هذا الكتاب حول اللغات العروبية القديمة منها :
1- البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة .
2- الأكدية العربية : معجم مقارن ومقدمة .

■ تقييم الكتاب …

أطروحة الكتاب هي محاولة من المؤلف لإعادة النظر في موضوع قديم ولكن بآلية فهم جديد بناء على مستجدات تطور الدراسات اللغوية بعد ظهور المعاجم للغات ( العروبية = السامية) ؛ ليشكل علم المعاجم للغات القديمة قاعدة لعلم اللغات المقارن ، والذي أفرز رؤية جديدة في القراءة للغات القديمة كان من حصيلتها ظهور أن اللغات العروبية القديمة لا تمثل إلا لهجات عروبية ضاربة في القدم هي في جذورها عروبية أو عربية خالصة .

الكتاب قيم جدا ، يمثل بذرة في طريق طويل وصعب ، فأول ما بذرها الدكتور طه باقر في كتابه ( من تراثنا اللغوي القديم – ما يسمى في العربية بالدخيل ) ، ولا زالت نتائج هذه الدراسات تظهر بين الفينة والفينة في دراسات مقارنة من شأنها أن تقلص الزمن وتزيل عنه تراكم غبار الأزمان لتجلو حقيقة هذه المفردات القرآنية التي تدعى بالمعرب بأدلة وبراهين جديدة .

رضي الحصار

1/6/2019 27/9/1440

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open