الرئيسية / مقالات / السيدة المعصومة تاج العفة

السيدة المعصومة تاج العفة

السيد فاضل علوي آل درويش

سيرة السيدة فاطمة المعصومة العطرة – على قصر عمرها الشريف – مفعمة بمضامين و توجيهات كثيرة كنجوم تتلألأ في سماء الكمال و الفضيلة ، و حري بنا أن نتأمل تلك المفردات المعطاءة و نقف عندها بعين البحث و التدقيق و الاستنتاج ، فتلك الشخصيات العظيمة الاقتداء بنهجها و ذلك بعد التعرف عليه يمثل ومضة منيرة و نقطة قوة في شخصية المرء ، إذ يجد فيهم قبسا ينير له دربه في هذه الحياة الملأى بالأزمات المحيرة ، فمواقفهم و كلماتهم تلقي بظلال الحكمة و الطمأنينة و الهمة العالية في خط الانطلاق نحو تكامل النفس و تخليها عن شوائب الضعف و التلوث بالشهوات و الأفكار المتيهة .
قصر عمرها لم يكن له أي تناسب مع عطائها و نورانية ما قدمته من مواقف توجت بقول أبيها المعصوم الكاظم (ع) : فداها أبوها ، و هذا يمثل أول إنارة لنا بين يدي المعصومة (ع) إذ البيئة و الأسرة التي تتلقى منها تعاليمها و تربيتها و تحيا بين أكنافهم عامل مهم في تكوين شخصية الإنسان ، فمن طلب القوة في شخصية طفله و تعززها بالذكاء و الخلق الرفيع و الاستقامة و العلاقات الوازنة فلينظر إلى البيت الذي تغذت فيه المعصومة و أي يد زقت المعارف و القيم في نفسها ، حتى يتعرف على ما ينبغي تهيئته و تنظيمه في البيت المعطاء و البيئة المناسبة الخصبة ، فالسيدة المعصومة و إن حرمت من أنوار أبيها الإمام الكاظم (ع) لظروف اعتقاله إلا أن عنصر الوراثة النجيبة من راهب آل محمد و المرأة العارفة الطاهرة السيدة نجمة ألقى ببصماته و صبغته على علو شأنها ، كما أنها تلقت تربيتها و معارفها من أخيها الإمام الرضا (ع) و هنا يجتمع و يتكامل عاملا الوراثة و البيئة .
فمن طلب العلا و النجاح و القوة في شخصية أبنائه فليتفحص هذه البيئة النورانية التي اكتنفت السيدة المعصومة و ليقتف أثرها ، فالاهتمام و الرعاية بالأبناء منذ الصغر و إيلاء وقت و جهد كبير لتنمية قدراتهم خطوة مهمة نحو صياغة شخصياتهم ، كما أن تلك البيئة لابد أن تكتنف عامل التعزيز و التشجيع إذ أن كلمة الإمام الكاظم في حقها ( فداها أبوها ) توجيه تربوي لنا في كيفية التعامل مع أي إنجاز من أبنائنا .
هذه العظيمة حينما تقدم كنموذج يحتفى به في العفة و القرب من الله تعالى و نورانية العلم لبناتنا ، تجعلنا نساهم في توجيه تربيتهم نحو التقدم و التكامل و ليس الإسفاف و الوهم و الانحدار ، و المهم أن يكون هذا البناء الممنهج يحترم عقول فتياتنا الصغار فلا يلتزمن بشيء من جلباب العفة إلا من خلال الإقناع الفكري و ليس بالترهيب و الإجبار ؛ ليكون ذلك أدعى لشدة التزامها و أما التمسك القشري فيتلاشى و يضمحل .
فيا حبذا أن لا يغيب اسم السيدة فاطمة المعصومة (ع) من دورات التكليف الخاصة بالفتيات المقبلات على سن البلوغ و الرشد ، و أن يكون عبق سيرتها جزءا من مفردات المادة الأخلاقية التي ترسخ الرمزية و القدوة الحسنة في الأذهان ، و ليكن اسمها (ع) عاليا في قاعة المحاضرات و الندوات الحوارية التي تبين خطوط الشخصية الرسالية ذات الصبغة الإيمانية ، و بذاك يكون حضورها الشريف في فكرنا و قيمنا قويا و حافزا نحو التمسك بحجزة التربية الأخلاقية الرفيعة .
العظماء كالسيدة فاطمة المعصومة (ع) لا يجسدون بحضور رمزي خافت في كياناتنا لا يتعدى مراسيم الزيارة و الذكر السريع في المناسبات المتعلقة بحياتها الشريفة و التسليط الإعلامي الباهت على شخصيتها المعطاءة ، بل لابد لنا من إعادة صياغة حضورها العقائدي و الثقافي في وجداننا لتغدو منهجية فكرية متحركة معنا على مستوى مختلف الأصعد الحياتية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open