الرئيسية / مقالات / الخاطرة 22 .. خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره)

الخاطرة 22 .. خواطرُ من مجلسِ العلامة الفضلي (ره)

العلّامة الفضلي رهين الغربتين
📝.. سعيد حسن المطرود

ضَنُّ البعض على العلّامة الفضلي

ذكرتُ في الخاطرة السابقة رقم (21) بأن علامتنا الفضلي – عليه الرحمة – لم يكن يضن بأبحاثه وكتبه على الباحثين، وإنْ كانتْ مخطوطةً، وهي من الصفات الفذّة التي لا يتّصف بها إلا القلّة من الكتّاب والباحثين، وقد ألمحتُ لهذا الجانب في الخاطرة السابقة.
وعلى العكس تمامًا، فقد ضنَّ البعض على علامتنا الفضلي تزويده ببعض المصادر التي كانت في حوزتهم، في وقت هو أحوج ما يكون إليها في تحقيقاته العلمية، وإنْ على سبيل الاستعارة ريثما ينتهي من الإفادة منها. وكان ذلك الموقف المؤلم مما أثر في نفسه كثيرًا، وذلك عندما كان شيخنا الفضلي قاطنًا في جدة قبل تقاعده المبكر من جامعة الملك عبد العزيز.
وقد سمعتُ منه في مجلسه العامر بأنه طلب استعارة أحد الكتب التي يحتاجها لأحد أبحاثه بعد تقاعده واستقراره في المنطقة، فقال له صاحب الكتاب: لك سواد هذه الليلة فقط، فما كان منه إلا الموافقة، بأن يبقيه لديه يومًا واحدًا.
وقد وصف تلك الحالة المؤلمة من الشحّ الثقافي الذي لقيها في:
مقدمة تحقيقه لكتاب «هداية الناسكين من الحجاج والمعتمرين» لمؤلفه أستاذ الفقهاء الشيخ محمد حسن الجواهري المتوفى (1266ﻫ)، المعروف بصاحب كتاب الجواهر، الذي يعدّ أوسع كتاب استدلالي فقهي عند المسلمين، عندما صدر في زمنه. يقول العلامة الفضلي في مقدمة تحقيقه، ص 16 – 17:
«وكانت لي مع المطابقة المشار إليها قصةٌ كانَ فيها شيء غير قليل من العناء، وذلك أنني بعد أن خرجتُ من (مجتمع الجواهر) – أيْ: النجف الأشرف -، وطوّفْتُ هنا، وهناك، شطتْ بي الدار – بعد لأيٍّ – إلى موطنٍ بعيدٍ عن ذلكم المجتمعُ الذي نشأتُ فيه، وتفاعلتُ مع أجوائه الثقافية أخذًا وعطاءً، حتى كنتُ منه وكان مني، ونأى بي المسار في موطني الجديد عن الفكر الذي عشتُه فيه وتمثله دمًا يجري في العروق، يبني الذهنيّة فيحيي العاطفة ويمد السلوك.
فكان أنْ كنتُ (رهين الغربتين) – أعني بهما المجتمع والفكر – فعِدْتُ لا الجواهر عندي، ولا أنا قريب منها.
فماذا أصنعُ والمطابقة لابدّ منها، ولا مناصَ عنها للتوثيق – أو بالأصح للتأكد – من نسبة الكتاب إلى مؤلف، وللاستفادة من الجواهر في التحقيق والتعليق أيضًا.

فرأيْتُ اختصارًا للوقت، واقتصارًا على الدعة أن أُتلفِنَ إلى بعض الأفاضل الأعزة في الأحساء لعلّي أجدُ الجواهر عندهم أو علّهم يجدونها عند من حولهم فيستعيرونها لي مدةً تكفي للمطابقة والمراجعة وتفي بهما. وطلبوها من بعض ذوي القُربى فكان أن شحتْ نفسُهُ، روضها الله تعالى بالتقوى.
وكانت التلفنةُ الأخيرةُ منهم أنهم سيحاولون جلبها من البحرين أو الكويت، ولأن هذا – كما أعلمُ – من قضاء العجز الذي لا يردّ ولا يبدل، وطّأتُ راحلةَ سيارتي، وسرتُ أقطعُ بيداءَ الجزيرة من البحر الأحمر إلى الخليج الأخضر في قيظ ينفذُ الحر سمومًا كأنها من فيح جهنّم.

وفي وهجِ ساحل الذهب الأسود أنختُ الراحلة في القطيف ببابِ صديقٍ كريمٍ، فاستعارَ لي من صديقٍ له المجلدات الأربعة من الجواهر الخاصة بالحج، وأحضرها لي – جزاه الله خيرًا – في بيت سماحة سيدي الوالد المعظم – مُدَّ في عمره الشريف – بمدينة سيهاتَ، وحُدِّدتْ مدة الاستعارة بما لا يزيدُ عن عدد أصابع اليد الواحدة من الأيام.
وهنا لا بُدَّ من الاعتكاف عن الناس والعكوف على الجواهر والهداية للمطابقة للتوثيق والمراجعة للتحقيق والاستنساخ للتعليق.
وانتهى هذا بيومين التهما ليلتيهما.. والحمدُ لله على ما كانَ وما أنْعمَ به».
ثم يقول في ص 19 من مقدمة التحقيق نفسه: «كابدتُ في التعليق صعوبةً غير هيّنة، وسبب ذلك قلة بضاعتي هنا [يشير إلى جدة] من الكتب الفقهية الجعفرية وبخاصة الاستدلالية والموسوعات».
وفي هذه المقدّمة لم يُصرّح بذكر من ساعده من القطيف، ولكن ذلك يتّضح من الرسالة التي أرسلها سماحته إلى العلامة الشيخ ضياء آل سنبل حفظه الله.

فمن حسن التوفيق – ولله الحمد – أن وفقتُ لأن يتواصل معي الشيخ ضياء آل سنبل عبر تطبيق الواتس أب، كعادتي في التواصل مع سماحته وذلك بعد نشري للخاطرة (21) مزودًا لي بوثيقة قيمة جدًا، وهي عبارة رسالة كتبها العلامة الفضلي بخط يده لسماحته، يعود تاريخها إلى السابع عشر من شهر شوال لعام 1405هـ التي ينص فيها بكل وضوح بالاسمين الكريمين- من القطيف – اللذين قاما بمساعدته بتوفير المجلدات الخاصة بالحج من موسوعة (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام).
وهذه الرسالة تضارع مقدمة التحقيق في تراكيب ألفاظها، وفي وصف المعاناة والألم من الأقربين، وتشيد في الوقت نفسه – بسماحة العلّامة الحجة الشيخ حسين العمران – حفظه الله – وهو الذي عبر عنه علامتنا الفضلي في مقدمة التحقيق بـ (الصديق الكريم)، وعبرّ عنه هنا في هذه الرسالة بـ (الحسين الذي هو القدوة والعبرة).
وبسماحة الشيخ ضياء آل سنبل – حفظه الله – الذي عبر عنه في تلك المقدمة بـ (فاستعار لي من صديق له) ، وفي هذه الرسالة عبر عنه بـ (الضياء الذي يشع بالهداية).

فإليك عزيزي القارئ نص الرسالة الخطية:
*باسمه تعالى
صاحب الفضيلة الأخ الشيخ ضياء آل سنبل الموقر
سلامي ودعائي وبعد:
فقد تمتدُّ الغربةُ بالإنسان تنأى به عن مكانِ ديارهِ، وعن مكانِ أهليه وأحبابهِ، فتُقطَّع به المسافات الشاسعات في طول هذه الأرض وعرضها.
وقد تمتدُ الغربةُ بالإنسان في أعماق الزمن المجهول فتنأى به عن فكره الذي يأنسُ به، ويستأنسُ إليه، إلى غياهب الوحشة، فلا يجدُ عزاءه إلا في مثل قوله (صلى الله عليه وآله): «طوبى للغُرباء».
هكذا عدتُ رهينَ الغربتين، وشاء القدرُ – وأنا بين مخلبي هاتين الغربتين – أن أعثرَ على نسخة مخطوطة من منسك الشيخ صاحب الجواهر – قدس سره -، وشاء آخر أنْ يسوقني إلى الرغبة في تحقيقه إعدادًا لنشره، ولكنه قسا فلم يأبه بأنني قليلُ البضاعة من العلم، قليلُ العدة من كتبه ومصنفات مدونيه.
ومُرْغمًا شمّرتُ عن ساعدٍ، وقطعتُ أكثرَ المراحلِ إلى الغاية إلا مرحلةَ مُراجعة كتاب (جواهر الكلام) الذي لا بُدَّ منه مصدرًا أساسيًا في تحقيق المنسك، والتعليق عليه، وكلّفتُ غيرَ واحدٍ في الأحساء أنْ أُعارَ الكتابُ، فبخلتْ نفوسٌ، وشحتْ أخرى، وما أشنعَ البخلَ، وأقبحَ الشحّ أن يكونا بالعلم على طالبيه.
وكدتُ أنْ أُصابَ باليأس، ولكن، ولأنه عند مشارف اليأس يأتي الفرج، كما تقولُ المأثورة، جاءني من أخوينِ كريمينِ عَرفا للعلم حرمته، وقدّرا للطالب بُغْيته.
فشاء الضياءُ أنْ يشعَّ الهدايةَ، وشاء الحسينُ أن يكونَ القدوةَ والعِبرةَ .
فشكرًا لأخويّ العزيزين الحسينِ والضياءِ، وجزيتما خيرَ ما يُجزى به العالِمونَ العاملونَ

أخوكما
عبدالهادي الفضلي
1405/10/17هـ * ».

توضيح للقصة 
تحدثتُ إلى الشيخ ضياء آل سنبل مستوضحًا تفاصيل القصة وكيف ساعد هو والعلامة العمران – حفظهما الله – العلّامة الفضلي في تحقيق منسك (هداية الناسكين) فأجابني مشكورًا:
«تواصل الشيخ الفضلي في بداية الأمر بالعلامة العمران طالبًا منه توفير نسخة له من (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) على سبيل الاستعارة، فما كان من العلّامة الشيخ حسين العمران إلا إجابة العلامة الفضلي فيما طلب، فقام العلامة العمران بإرسال أحد المشايخ إليَّ لعلمه بوجود الكتاب عندي.
أخبرتُ رسول العلامة العمران بأني عازمٌ على السفر للعراق بعد أسبوع، وسلمتُه الكتاب، فسلمه للعلّامة الفضلي»
ويضيف الشيخ ضياء قائلًا
«وقد أشارَ العلّامة الفضلي في مقدمة تحقيقه بأن مدة الإعارة لا تتجاوز أصابع اليد، وهذه المدة القصيرة لم تكن شرطي على العلامة الفضلي، ولكن بسبب إخبار العلامة الفضلي بسفري للعراق، قد ألزم نفسه بإرجاعه قبل سفري، وهو ما تحقق بالفعل، ولعلَّ اللبس في تحديد المدة وقع بسبب اشتباه الشيخ الوسيط بيني وبين العلّامة العمران».

رحم الله علامتنا الفضلي، وحشره مع المعصومين عليهم السلام .

*المرفقات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open