الرئيسية / مقالات / الباطن الشيطاني

الباطن الشيطاني

📝.. السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن الإمام الجواد (ع) : لا تكن وليا لله في العلن ، عدوا له في السر )( نزهة الماظر و تنبيه الخاطر ص ١٣٦ ) .
الانفصام بين الصورة و التعامل الظاهري الخير و المتسم بالصلاح و الحسن من جهة ، و الصورة الخفية المستبطنة لكل علامات الشرور و الانحراف من جهة أخرى ، فيها من الدلالة على سلطنة الشيطان و هيمنته على المرء الشيء الكثير التي ينبغي التوقف عندها و إعادة الحسابات و مراجعتها ، فالإيمان الحقيقي حضور المعية الإلهية في القلب و جعلها مؤشرا و بوصلة تتجه من خلالها الكلمات و المواقف نحو رضا المعبود ، و أما الاكتفاء بالقشريات التي لا تصيغ شخصية الإنسان وفق القيم الإسلامية فهو ليس من الشرع بشيء ، فالسريرة النقية هي الغاية من العبادات و التي تتكفل بتطهير النفس من درن النزوات و الأهواء .

كم من إنسان في ظاهره يحمل سيماء الوقار و الصلاح و الطيب و يتقنع بالصدق و الأمانة ، بينما هو في باطنه ذئب مفترس ينتظر فريسة يوقع بها ممن يخادعها من البنات ، و كم من مختلس يحفظ عن قلب الآيات الكثيرة و الروايات الشريفة بينما لا يتورع عن أخذ أموال الناس بالباطل ، و كم من إنسان يسعد به الناس لحسن تعامله معهم بينما تشقى به أسرته من سوء خلقه و تعنيفه لهم ، و هكذا تتعدد الصور الباطنية الشهوية و الغضبية لتمتد إلى صور كثيرة .

و لا ينقي السريرة و يسلك بالإنسان طريق الاستقامة و الالتزام الحقيقي – و ليس الظاهري – كتذكر حقيقة الرقابة و المعية الإلهية ، فلا يغيب عنه سبحانه شيء من أحوالنا ما أسررنا و ما أعلنا و ستنكشف تلك السرائر يوم القيامة ، و ما أضمره البعض و أخفاه من صورة نتنة خبيثة ستبرز و تكشف على رؤوس الأشهاد ، و لذا على المرء أن يحكم ضميره و يجعله أميرا على كل حركاته و سكناته ، فلا يغترن بافتقاد رقابة البشر فتحدثه نفسه الأمارة بالسوء بالتعدي على حقوق الآخرين .

إصلاح النفس للتخلص من المشاعر السلبية تجاه الآخرين و اقتلاع جذور الشر و العدوانية و تطهيرها من النزوات هو الطريق الذي يسلكه الإنسان المؤمن ، فالعجب بالنفس لمجرد فعل صالح صدر منه من المهلكات المبعدة عن رحمة الله تعالى و الموجبة لسخطه ، و الرياء و طلب الشهرة و عشق بريق الأضواء الإعلامية و حب الثناء و المديح لما يصدر منه لهو الخطر المحدق ، كما أن القلوب السوداء التي تكتنز الحسد و الحقد و الكراهية و الناشئة من المناكفات و الخلافات و النقاشات الحادة و الغيرة و غيرها تمثل صورة باطنية شيطانية ، و سبيل نقاء السريرة الالتفات إلى أن الاتباع الأعمى للغضب و الانفعالات الشديدة و الانتصار الوهمي للنفس سيكون طريق الشقاء و الخسران ، فليبذل كل جهد لتجلية نفسه و ترصيعها بلآليء الخلق الحسن و الورع عن محارم الله تعالى ، و يتخل عن كل صفة تنحدر به إلى وحل التيه و الانحلال .

فحذار من خداع الشيطان الرجيم الذي يجعل المرء مطمئنا و واثقا من صلاح نفسه و خيريتها لمجرد مواظبته على الصلاة و بقية العبادات ، بينما نفسه تنضح بالنتن من الأفعال المشينة المخالفة للقيم الدينية ، و التي يدل صدورها منه على فساد باطنه و خبث سريرته التي لم تتلق التهذيب و التزكية من أدران الشهوات و الكراهيات ، فالتقوى و الخوف من الله تعالى و الامتناع عن ورود مسالك المعاصي هو المعيار الحقيقي للالتزام و الباطن الرحماني .

فالقلب العامر بذكر الله تعالى ليس بمسوح التدين و قشريات العبادة و لقلقة اللسان ، و إنما بما يقع فيه من تعظيم لله عز و جل و ازدجار عن العواقب الوخيمة للخطايا ، و كذلك بمدى تخلصه من شائبة الرياء و استيطاب نفسه بالثناء عليه بما يصدر منه من أفعال الخير ، فيخلص العمل لوجه الله تعالى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open