الرئيسية / مقالات / التحديات طريق التكامل ( من وحي فكر الإمام الباقر (ع)

التحديات طريق التكامل ( من وحي فكر الإمام الباقر (ع)

📝..السيد فاضل علوي آل درويش

ورد عن الإمام الباقر (ع) : يبتلى المرء على قدر حبه )( بحار الأنوار ج ٦٧ ص ٢٣٦ ) .
بعين التشاؤم و النظرة السوداوية ننظر لما يواجهنا من مصائب و أزمات على أنها أوقات عصيبة لا مخرج لها ، بل و يزن البعض نفسه بميزان التخلص من المنعطفات الصعبة و المشاكل ، فكلما كان بعيدا عن مصادر الألم و الانكسار و الهزيمة النفسية ، شكل ذلك عنده قراءة صحيحة لمسيره و ما ينفذه من خطوات ، و إلا فإنه يزنها بالتعاسة و الشقاء و نقص الحظوظ .

والحقيقة أن كل ذلك غير صحيح ، فالأزمات جزء من حياة كل فرد و جعلها سبحانه و تعالى سنة إلهية تجري على جميع العباد بلا استثناء ، فمقابلة المشكلة لا يشير من قريب و لا من بعيد إلى مكانة الفرد أو حصافة عقله كمؤشر وحيد على ذلك ، و إنما البلاء و المشقات و الإخفاقات محطات اختبار يتمايز عندها النلس و يبان ما يستبطنونه من أفكار و صفات ، فكم من إنسان يحمل في رأسه وهما يتعلق بتمتعه بصفات القوة و القدرة على تجاوز العقبات و تخطي الصعاب حتى الوصول إلى غاياته ، و مع هبوب أول عاصفة يسقط سقوطا مدويا و مثقلا باليأس و الإحساس بالعجز !!

الابتلاء مرحلة كاشفة لحقائق نفوسنا و تضعها على المحك العملي الحقيقي ، و ما أحوجنا لمثل هذه الدورات التدريبية التي تجري اختبارات تجريبية لمعرفة قدراتنا و أوجه الضعف و القصور عندنا ، و سنة الابتلاء نفحة ربانية ينعم بها الله تعالى على عباده المؤمنين ، فليس من العيب في شيء أن أكتشف ما يعتورني من خلل و أخطاء لو استمر بي الحال هكذا لكنت ضائعا و لم أستطع أن أصلح من عيوبي ، و لذا فإن المؤمن لا يستقبل غمام الصعوبات و المشاكل على مستوى علاقته بربه بارتكاب الذنوب أو دراسته أو عمله أو علاقاته الأسرية و الاجتماعية بالتأفف و الحيرة أو تهاوي إرادته فيصاب بردة انفعالية عنيفة ، كلا ، بل يستوعب تلك اللحظات العصيبة بالاتكال على الله تعالى من بيده مقاليد الأمور و الاستعانة به ليتجاوز تلك المرحلة الصعبة و التي بلا شك أنها مثقلة بالهموم و الألم ، و لكنه مرتاح البال و هاديء الجنان من ناحية تقدير الباري له بهذا الابتلاء من جهة ، و من جهة أخرى فإن تكليفه كإنسان كرمه تعالى بالإرادة و القدرة على تحمل الصعاب ( الصبر ) هو مواجهة التحديات و نفض غبار الركام من حوله .
و من جوانب الابتلاء و الاختبار هو صدق المحبة و الولاء لنهج الأنبياء و الأئمة و المعصومين (ع) ، فالاقتداء بهم سير تكامل تترامى على جنباته الكثير من الصخور التي يمكن أن يعثر بها ، فأولا يحتاج في هذا الطريق الشائك إلى محاسبة نفسه بالتمسك بمضامين نهجهم الشريف و عدم الاكتفاء بالولاء على مستوى الانتماء الاسمي .

ومن جهة أخرى فإنه سيواجه أهواءه و مكائد الشيطان الذي لا يريد له بلوغ شاطيء النجاة و الخلاص ، فالتجلبب بالتقوى و الخوف من الله تعالى و حبه لهذه الصفات المتصف بها أولياء الله تعالى هو المقياس الحقيقي لتجاوزه محطات الاختبار ، فعباداته و علاقاته و منطقه و تصرفاته متى ما كانت بوصلتها طلب رضوان الله تعالى فإنه بالتأكيد سائر في الطريق الصحيح ، و ليتمسك في طريق الثبات و تجنب مزالق طريق الانحراف العقائدي و الأخلاقي بالصبر و التحلي بالهمة العالية .

وحينما نقرأ سيرة أصحاب الأنبياء و الأئمة العظماء المجتبين نجد أنهم ما نالوا تلك المراتب العالية لمجرد تمسك صوري بالنهج القويم ، بل كانت سيرتهم الخيرة حمل راية إصلاح النفس و هداية الناس ، و قد واجهوا في سبيل ذلك التكذيب و التخوين و قذفهم بالشائعات و تخريب السمعة بالافتراءات ، فضلا عن المواجهة العدوانية بالبطش و مختلف صنوف الضرب و الأذى ، فما زادهم ذلك إلا إيمانا بقضيتهم التبليغية و لم يزحزحهم عن الحق قيد أنملة .

وبلوغ المراتب العليا من المسير الأخلاقي و الولائي لا يخلو من مختلف العقبات و صنوف الابتلاءات ، و كلما ارتقى المؤمن درجة ازدادت عليه الضغوط ليبان صدق تمسكه و حبه لأوليائه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open